في خضمّ الأحداث، وما تمخّض عنها من ضعف في «الصف العربي» مقابل تنسيق وحميمية غير مسبوقين إسرائيلياً وأميركيّاً، وحديث عن اختراق إسرائيلي لدول عربية، وما يصاحب ذلك من تخوف، لا بد من التذكير بالثوابت وبأولويات السياسة وأساليبها حتى لا نُجرّ إلى استنتاجات خاطئة.

أولاً، السياسة لا تقوم بالضرورة على الأخلاق والعدل، اللهم إلاّ في حالات نادرة؛ بل هي غالباً ما تسعى إلى تحقيق مصالح طرفٍ على حساب طرف آخر، منطلقة من المبدأ الدارويني: الغلبة للأفصح والأشطر.

والسياسة، ثانياً وكما نعلم، هي «فن الممكن».

إنطلاقاً من هذين المبدأين فإن إسرائيل وأميركا، اللتين تتزعمهما في الوقت الحاضر إدارتان أنانيتان متطرفتان، ستحاولان جهدهما كسب كلّ ما تستطيعان بالضغط والترهيب و«الفصاحة» و«الشطارة».

وهذا متوقع لمعرفتنا بشخوص هاتين الإدارتين والقوى المؤثرة عليهما.

والسؤال المهم فيما يخصنا: ماذا نفعل إزاء ذلك؟

والإجابة ببساطة هي: نفعل الكثير.

أولاً، يجب أن لا نرتبك ونتخوف ونستسلم كأن لا حول لنا ولا قوة. فنحن أقوياء بنظافة مواقفنا وعدالة مطالبنا. هم من يسعون إلى ما هو غير عادل وغير منصف، وما يقوم على ابتزاز الآخرين وخداعهم.

في الحق قوة، وفي الظلم والعدوان ضعف.

ثانياً، القوانين والأعراف والقرارات الدولية في صالحنا. بالمقابل، لم يصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن قرار واحد يصب في صالح إسرائيل، وكل ما تفعله أميركا حماية لإسرائيل، زوراً ويهتاناً، هواستخدام الفيتو لمنع تطبيق القانون.

سؤال مهم: من يقف مع إسرائيل دولياً؟ أميركا وبعض الدول النّكرة. بالمقابل، من يقف معنا؟ كل دول العالم: من اليابان شرقاً إلى الأرجنتين غرباً، مروراً بأوروبا كلّها.

لمَ التخوف إذاً، ولماذا لا نستثمر هذا الموقف الدولي الرائع والذي هو مصدر قوة لنا؟

ثالثاً، صحيح أن هناك ضعفاً وتمزقاً داخل العالم العربي، لكن هناك ايضا دولاً عربية قوية ومتماسكة ومساندة للقضية الفلسطينية وللوصاية الأردنية على المقدسات. لا بد لنا من استثمار مواقف هذه الدول، وبناء جبهة قوية منها.

ويجب أن لا ننسى أن الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم معنا.

رابعاً، إن ما يقوله الرئيس الأميركي المأزوم ونتنياهو المتحالف مع قوى التطرف والغارق في الفساد، ليس مكتوباً بماء من ذهب. ما يقال هو عبارة عن بالونات اختبار ومناورات سياسية ومواقف أولية تفاوضية، ليست مُنزلة، ويمكن التراجع عنها كما تراجعت عنها إسرائيل سابقاً.

وينطبق ذلك على قرار نقل السفارة والجولان و«صفقة» القرن إياها.

هذه هي السياسة وهذه هي أدواتها: اطلب المستحيل تحصل على الممكن.

يلعبون سياسة؛ فلنلعب سياسة.

أخيراً، وليس آخراً، نحن في الأردن نثق تقة لا حدود لها بالسياسة الأردنية، النقية المحترفة الملتزمة بالثوابت، التي يقودها جلالة الملك البارع في السياسة، والمدرك لكل ما قيل أعلاه، والمدعوم شعبياً ودولياً، والمستمد خبرته وحنكته من خبرة وحنكة الدبلوماسية الهاشمية الضاربة عبر العصور.

لنواجه القادم بثقة وثبات، وأفعال سياسية احترافية، ولنبتعد عن التخوّف والتشكّك والارتباك.