هذه الذكريات التي ارويها تعود الى العام 1967، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على خلل في بُنية الجامعات العربية، خلل اتمنى معالجته بالحكمة لا تركه على غاربه! بالطبع فأنا هنا لا أعمم، ولكنني أروي بكل شفافية تجربة مُرّة مررت بها حين كنت طالباً في جامعة عربية عريقة اعتز بعطائها المميز، ادرس في كلية الآداب-قسم اللغة العربية.

حدث في السنة النهائية «الليسانس» أن لُفقت لي تهمة كيدية – كما تبين لاحقاً- ابعدتني عن بلد عربي شقيق قرابة شهر كامل، ولم يسمح لي بالعودة الا قبل موعد الامتحان النهائي بأسبوع. وبكل تواضع اقول كنت على مدى السنوات الثلاث الأول على دُفعتي، تقديري العام ممتاز او جيد جداً.

أما المفارقة المؤلمة فكانت حين أُسند لمعيد في الكلية تصحيح اوراق مادة الأدب الشعبي التي لم يهبط تقديري فيها عن ممتاز أو جيد جداً على مدى السنوات الثلاث. المفارقة كانت حين هبط تقديري فيها الى «مقبول»! وبسبب هذه العلامة هبط تقديري العام في «الليسانس» الى جيد. وبصدق كدت انهار وانا الذي كنت اول دفعتي! احد الاساتذة الكبار المتعاطفين معي قال: احمد الله ان تقديرك في الليسانس لم يهبط الى مقبول!

هذا المُعيد قفز فجأة الى وظيفة مرموقة في المؤسسة السياسية لبلده بعد فترة وجيزة. المهم قابلت هذا الاستاذ قبل ان يرتقي الى وظيفته الجديدة المرموقة، وطلبت اليه ان يسمح بإعادة تصحيح ورقة امتحاني، فرفض بشدة، ولدى مراجعتي العميد انضم بدوره الى هذا الاستاذ بالرغم من تزكية اساتذتي الآخرين لي.

أمثال هذا الاستاذ الجامعي كثيرون في جامعاتنا العربية، تغيب ضمائرهم في لحظة من اللحظات اذا ما أحسوا ان ثمة فرصة ذهبية ستخدمهم في الوصول الى منصب رفيع آخر، اذا ما امتثلوا توصيات من في يدهم الحل والعقد!

إنّ عفّة الوظيفة –اية وظيفة- ألاّ تخذلها تحت اي إغراء! وانت تسمو اذا ما احترمت نُبلها وهيبتها، ويتخلى عنك النُّبل والهيبة اذا ما عققتها! ما اكثر من يخونون امانة الموقع الذي يحتلونه وصولاً الى تحقيق مطامع رخيصة!

ما اكثر الذين لا يزعهم وازع خلقي وهم يقررون مصائر غيرهم فرضت الظروف ان يؤول تقريرها اليهم! ليتهم يدركون ان الظلم –اي ظلم- مرتعه وخيم.

اما المفارقة الاخرى الصاعقة فكانت حين التقيت عميد كلية الآداب نفسه صدفة في الكويت بعد ان تقاعد وتطاول الزمن! التقيته في بيت صديق له، وهنا رُحت اذكره بقصتي، اتعرفون ماذا قال لي رحمه الله -فقد توفي منذ عدة سنوات-؟ قال: لماذا لم تقل لي انك صديق او تربطك قرابة بِ«فلان»!! أجبته مستغرباً: لم أكن عرف انك صديقٌ لِ«فلان»!!

كم هو محزن واقع جامعاتنا العربية، حتى الآن لم تسلم الكثير منها من المحسوبية والاحتواء السياسي!

قلت في نفسي بعد زيارتي لهذا الصديق: ليتني كنت اعرف علاقته بعميد كليتي آنذاك! ليتني!! أرجح ان الحال كان سيتغير!

هذا الواقع –مع الاسف- لم نتخلص منه بعد في جامعاتنا التي تخترقها سياسة السلطة.