جمال القيسي

سأعترف لكم قليلاً.. وقليل من الاعتراف ينعش البوح.. قليل من الاعتراف عما جرى معي من سرّاء «قسْم البنفسج» وضرّائها. فحاكموني وأطلقوا على قلبي وصف «الضعيف» الذي لا يحتمل الحب. أو فلتصفح قلوبكم، البيضاء من غير سوء؛ فنتفق على أن القلب بوصلة لا تشير لغير النقاء. ومَن كان منكم/ منكن بلا لهيب الذكرى فليرْمِني رجلٌ رشيد بسهمِ لوم، أو فلتُلْقِ سيدة رقيقة على مسامع روحي وردةَ عتاب!

يدين لي «فارس»، بطل روايتي، بلترَين من الدموع، سكبتُها في أقداح الهمّ الزعاف واحتسيتها بيدٍ لا ترتجف أربعاً في أربع.. صَبّها لي حظّي الذي تعثّر به وأسقانيها بيد المرارة والأسى فقتلني غير مرة.. سلمتْ يده!

وأنا أدين للفارس الجميل النبيل بعبق الياسمين وذكرى البنفسج النديّ ومواعيد المطر؛ فقد كلَّ الصوتُ الروائي مني ولم تتعب حنجرته، وذابت شموع مهجتي دمعاً فلم يرفّ جفن قلبه الشجاع طوال حياته إلا لجَلَلِ رحيلِ أمه، إذ ذاك مادت به أرضه الصلبة وسقطت سماؤه ذات الأقمار والنجوم الجميلة الصافية؛ فالراحلة ليس مثل الراحلات كلا ولا تشبه أياً من الغائبين. إنما هي مريم.. بتول محراب روحه وقِبلة أقدامه كلما شكَتِ الأقدامُ أشواك الطريق.

وتدين لي مريم بصقيع ليالٍ احتملتُ فيها عجزي المطلق إزاء صبر الأرملة كريمة النفس نقية السريرة، التي أصابتها الحياة برماح ونصال غارت في كبد معنى الألم؛ لكنها قابلتها ببطولة النساء العظيمات وشجاعة القلب الذي لا يهتز إلا لندى الصبح وصهيل الكرامة.

ولمريم في عنقي كل الذي علّمَتْه لفارس؛ ومنه أن الدنيا سريعة وقصيرة وخاطفة ولا تحتمل أن يحياها الإنسان دون موقف عزيز ونضال ضد الظلام والشر والسواد والاستكبار والاعوجاج.

حسبي من مريم -الشجرةِ الصلبة الباسقة- وقوفُها الأسطوري في وجه عاتيات الزمن ببسالة الأم التي تملك الحلم والأمل.. ما أزال أراها كل ليلة وهي تمسك بشفير صخور الهاوية بكفَّين يسيل منهما المسك والعنبر، وسأظل ألمح أسراب الحمام الأبيض وعصافير الأمل الملونة التي استقبلت روحَها المحلّقة في سماوات الرضا والسرور، تلك المرأة الجميلة التي حين اشتدّ عليها موعد الرحيل مالت برأسها إلى الوراء قليلاً ثم أغمضت عينيها باسمة!

لم يكن فارس أو مريم أو أمل أو ميشيل بالأبطال العابرين في روايةٍ تبدأ ثم تضطرب فتدْلَهِمّ فتنقشع غيومها بسواد العقدة كي تتلاشى بمطر النهايات المعتادة التلقائية، بل كانوا الحقيقةَ العارية التي لا تنتهي بإكمال صفحات الرواية؛ وقد أوجدتُهم لكي يبقوا نوافذ أسئلة اشتباك مفتوحة مع الحاضر والمستقبل، كبنيةٍ وكيان متكامل نامٍ من الرؤى النفسية والسياسية والاجتماعية، تلك الرؤى التي كبح جماحَ تفلُّتِها كثيراً الحزمُ الروائي فوقاها مغبةَ الانزلاق في هاوية الحكاية التي تُروى لتبديد الوقت أو قضاء زمنٍ روائي ما.

في لحظةٍ من الكتابة شدني «إمبرتو إيكو» بنزعاته نحو إدخال الحكاية في الحكاية، فنبتت في الرواية قصة ميشيل المسيحي روحاً، النزيه مبدأ وسلوكاً وموقفاً نهائياً في الحياة ومنها، كعلامة إنسانية فارقة غيّرت من حياة فارس، ذاك الفتى الذي فرض عليه سماتِه الأصلية طبعُه البدويُّ البريء ابتداء.. وزرع «ماركيز» في ذاتي أننا مهما تغيرنا، ستظل تشدنا إلى أنَواتنا الأولى حقيقتُنا التي تَشكلنا عليها صغاراً، وأن العزلة العظيمة هي تلك التي ننزع نحوها باختيارنا في اتخاذ القرار الأهم في الحياة وهو أن نكون مختلفين؛ لم يقل لي «ماركيز» ذلك على وجه الدقة؛ ولكن هذا ما وقر في قلبي وصدّقه قلمي وأنا أرتعش كتابةً على وقع أصوات أرواح «حرافيش» نجيب محفوظ وخيبة «عربي» تيسير سبول الذي لم تخذله أمته؛ إنما المرحلة التي تعيشها الأمة من هوان وتراجع وانزواء وانكفاء.

لم أكن وحدي حين شرعت في كتابة «قسْم البنفسج»، بل كانت معي أحلام حركة التنوير العربية، وإحباط مؤنس الرزاز و«متاهة الأعراب في بلاد الأغراب»، وكنت مع جمال ناجي في «موسم الحوريات»، ولم يتركني «الغريب» ولا «ألبير كامو» عبثاً وجدية، ولا غاب عني طيف رجلٍ نبيل أحببته مذ عرفني عليه، ذات شباب، هو «فيكتور هيجو».

كل ذلك جعلني ألجم في ذاتي الروائية شهوةَ قطع السرد بالتأمل، التي حلمت بالسطو عليها من كنوز ديستويفسكي وتولستوي وفوكنر. لم تسعفني ضرورة التدفق بالسرد أيَّ مهلة من الوقت لممارسة سرقة متعة تقليد الكبار!

انبثقت الفكرة الأولى للرواية، متمثلةً في انهيار أمل التغيير نحو الأفضل، حين صدمتني في عام 2012 أحوال العرب والمسلمين في الولايات المتحدة على أرض الواقع، والتي تُوِّجتْ صباح أحد الأيام بتظاهرة دينية كبيرة مارست طقوس لطميات الندم الفظيعة على مدار ساعات في قلب (الداون تاون) في شيكاغو فأرعبت البشر والشجر والنهر والطير والسناجب!

لأول مرة وجدتني عاجزاً عن تبرير الضياع والتردي؛ التبرير كوسيلة من وسائل الدفاع عن النفس الأولية، كما يعرّفه علم النفس الاجتماعي. لم أستطع إنكار هويتي، وفشلتُ في دفع التهمة عن جذور تديُّن منبتي؛ فبؤتُ بالألم الممضّ وصدمة التراكمات التاريخية الجارحة.

حاولت التعبير بالقصة القصيرة.. بالنص المفتوح.. وبمقالات طويلة أهمها تلك التي حملت عنوان «شيكاغو ستان» ونُشرت على نطاق واسع هناك، إلا أنني لم أحس تجاه نفسي بتأدية الواجب الثقافي العضوي إلا حين انخرط «فارس» بصلاة الكفر، المؤمنة بتشظي ذاته بين الزاوية الصوفية والحانة والحلم العربي والواقع المرير!

من هناك بدأت «قسْم البنفسج»، ثم راحت معي سباتاً وعبثاً لسنوات عدة في سجن الصحافة، ثم تفتّحت واستوت على سوقها في عمّان بعد مرحلة التعب؛ فجاءت كما عناقيد الحب في أوان قطافها!

إنني وإذ أعلن مسؤوليتي عن كل دمعة وهمسة وأمل وموقف وموعد ورفّة وخيبة وحنين ومطر وندى ولهفة وقبلة في «قسْم البنفسج»؛ فإني أعلن أن الحب وحده هو ما دفعني وحرضني وكتب معي الرواية مع سبق الإصرار والتلهف!