إبراهيم الفقيه

روائي وقاص وناقد أردني

منذ الصفحة الأولى لروايته الصادرة عن دار ابن رشد في القاهرة عام 2017، يطالعنا نازك ضمرة بلغة سردية متقنة، مشبعة بالوصف العميق، على لسان السارد بضمير المتكلم. وقد استعانت الشخصية المحورية في عرضها على التذكر، والاستحضار، والعرض، من حيث تمازج الأزمنة والخلط بينها، عبر تقنية الاسترجاع أو الخطف خلفاً، لتتنقل بين الزمنين الحاضر والماضي.

ولضمير المتكلم قدرة مدهشة على إذابة الفروق الزمنية والسردية بين السارد والشخصية والزمن جميعاً، بحكم أن المؤلف يغيب في الشخصية التي تسرد عمله، وبذلك يستطيع هذا الضمير التوغل في أعماق النفس البشرية، فيعرّيها، ويكشف عن نواياها، ويقدمها إلى القارئ كما هي، لا كما يجب أن تكون.

تقوم الرواية على محور ذاتي موضوعي، محمّل بعبء شريحة اجتماعية واسعة، تعرف أن قدرها أن تعمل وتضحّي، ولا تطمح بأكثر من سدّ الرّمق لقاءَ حياة سوية، لا يذهب البطل فيها إلى أي انحراف، ولا يخالف السنّة الاجتماعية المرسومة ولا العرف الأخلاقي السائد وسط الجماعة، كذلك ليس له أن ينحدر فيتخلّى عن شرط إنسانيته في الوجود والحياة.

فبطلة الرواية «فهيمة» يأكلها الإعياء، لكنها لا تستسلم له، وينال منها التعب في سبيل بغيتها.. فهي ساردة بضمير المتكلم، وشاهد يقصّ الأحداث وكأنها تجري أمام أعيننا.

ولهذا النوع من الكتابة مفهوم له دلالاته في الواقع الشخصي والاجتماعي والسياسي بهدف التعرف إلى الإمكانيات التي تعزز موقع المرأة من قضايا الحرية والتحرر، وعوامل التشتت والتمايز في الوضع الاجتماعي، فالانفعالات تمسك بلبّ الحدث وتحيط به وتجعله مقيداً بكثرة المتغيرات. فهي تؤكد على التغيرات التي تحدث عند الشخص من خلال حالته النفسية، وتحاول أن تركز على هذه الاعتبارات التي تقع في منطقة وسطى بين عمليات النفس والجهد وقوى العقل والفكر، وترى أن هذه المشاعر يمكن أن تعمل في خدمة العقل. ومع هذا لم يكن المؤلف غافلاً عن العناصر المأساوية، فالقلق هو أهم السمات التي أكد عليها، عاملاً على فكرة أن القلق يصاحب ممارسة الحرية، وأنه بالنسبة لمصيره فإن لهذه الأفعال جوانبها السلبية والمأساوية.

في رواية «ظلال متحركة» التي تشكلت من ثقافة عالمه الواقعي الذي يعيشه برؤاه المتباينة، استطاع ضمرة أن يمزج بفن بارع، ينابيعه التراثية من قرآن كريم وسنة نبوية شريفة ومأثور ومثل وحكمة وموروث شعبي قديم ومعاصر، وقد نتج عن هذا البناء الفني ثراء زاوية الرؤية السردية، وثبوت اتساع حدقة الكاتب وقدرته على إيجاد النظرة الشمولية المتنوعة. كما ينقلنا ضمرة بقدراته الفنية المتميزة، وطاقاته التعبيرية، وإيحاءاته الرمزية الموفقة إلى حد كبير، من العوالم السردية الضيقة المغلقة حيث الخلوة، إلى العوالم الرحبة المفتوحة.. مما يجعلنا نعانى معه معاناته في تطوافه بنا في دروب فكره ورؤاه التي تقوم على المونولوج الداخلي.

وتتعدد صور الرغبة في هذا المنقلب السردي الرائع في الانعتاق من أسْر الواقع العربي المعيش بكل آلامه ومتناقضاته، وتتّحد الصور الجزئية لتشكل الخطوط العريضة في لوحة الصراع الكبير الذي تعيشه الأمة ويحياه الإنسان العربي الفرد، لا على الأرض العربية فحسب، بل في كل مكان على ظهر البسيطة أقوالاً وأفعالاً وإرادة.

ومع أن بطلة الرواية «فهيمة»، هي شاهدة الأحداث والمتحدثة بضمير المتكلم، إلا أن الرواية تتميز بكثرة شخوصها، وتحفل بنماذج بشرية تمثل فئات اجتماعية متنوعة، منها: «زكي المحجوب»، الذي يختلف شكله ولونه ومقاساته في نظر زوجته فهيمة، «لكنه يبقى صخراً لا يستجيب للبرودة بسرعة ولا لشدة الحرارة بسرعة» (ص135)، يحب اللهو والتمتع بالحياة والعبث وفعل المستحيل، إنسان ريفي ابن فلاح بسيط، صاحب إرادة وشخصية قوية، عصامي مثقف واثق من نفسه، نحيف الجسم، فلسطيني وعربي وقومي، قلبه عامر بالإيمان والقوة والثقة بالنفس، لكنه مخذول من جيرانه العرب الذين أوهموا الفلسطينيين أنهم سيحاربون عنهم ويستعيدون لهم فلسطينهم، أما علاقته بالشعب الأردني فيقول عنها: «الأردنيون والفلسطينيون سواء، بلدهم واحد ومصيرهم واحد، وليس لأي طرف خيار في ذلك، ولن تستطيع أي قوة أن تفصل الشعبين اللذين أصبحا شعباً واحداً» (ص146)، وهو يؤرخ لأسماء حقيقية خلال حديثه عن العلاقة بين الشعبين خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

أما «فهيمة»، الساردة بضمير المتكلم والمنحدرة من أسرة عريقة، فهي متحررة، أردنية الأصل والمنشأ والولادة، لا تأمن لشيء في الحياة وتخاف من كل شيء، حتى من الزمن، ومع ذلك فهي ثابتة كالصخر الذي لا يلين، فبعد أن جاوزت السبعين عاماً ومضى على زواجها من «زكي» واحد وأربعون عاماً وعاشت الغربة ولظى العيش معه، وأنجبت منه ثمانية أولاد، نراها تستقل طائرة عائدة من أميركا إلى مسقط رأسها في عمّان، وفي الطائرة تستعيد أحداث حياتها منذ طفولتها حتى تلك اللحظة.. فتتحدث باسترجاع عن لقائها بـ «زكي المحجوب» وزواجها منه ثم التحاقها به بعد أربعة أشهر حيث كان يعمل في السعودية.

ثم تنتقل «فهيمة» بذاكرتها إلى عام 1948 وهجرة الفلسطينيين عام النكبة إلى الأردن، وسكنها في حي المهاجرين قرب سقف السيل، وحياة عمّان في الخمسينات، وعلاقة الفلسطينيين بالأردنيين، والوحدة التي شعرت بها بعد سفر «زكي» للعمل، وإقامتها في بيت أخيها الأعزب، وعلاقة أخيها بالشراكسة، والأفكار التي كانت تراودها لترك «زكي».

وفي حديثها، تعود «فهيمة» بذاكرتها إلى «عزيز الأحمر» الذي عرفته قبل ظهور «زكي» في حياتها، والذي ظلت تتذكره طوال السنين، ورغم أنها «تلمست علامات حبه في أكثر من موقف، إلا أنه كان ضعيف الإرادة، متردد أو بطيء التجاوب، فنغّص عليها حياتها» (ص102).

ومع أن زوجها كان يحبها بشغف، «وكان لها أفضل طبيب نفساني، يشفيها من كل همومها وأمراضها وعقدها، وترى فيه الأب والشقيق والأم والسند والصديق والمنقذ» (ص97)، إلا أنها كانت تصر بين فترة وأخرى على السفر من أميركا لزيارة أهلها في عمّان، وتتمنى العودة والإقامة في حي المهاجرين، مما دفعه للزواج من أخرى بعد سفرها، فطلبت منه الطلاق أكثر من مرة، لكنه رفض ذلك، الأمر الذي صنع شرخاً في علاقتهما الزوجية ودفعها للصبر والصمت «ولم يصدف أن قالت له: (أحبك)، أو أشعرته بما في صدرها من وله، كانت تستسلم لقبلاته ومداعباته بصمت واستسلام، راضية وسعيدة وعاشقة ومحبة له بصمت دون أن تبوح بما في قلبها، إنها لا تكرهه ولا تطيق رجلاً سواه، وفي قرارة نفسها تتمنى لو تحني قامتها له، لكنها الأنثى المكابرة في داخلها» (ص136).

في ذاكرتها وهي تجلس في الطائرة بين خليط من المسافرين، تخلط الماضي بالحاضر وتتذكر كل صغيرة وكبيرة من حياتها مع «زكي» في غربته، ومع أنها تعيش على نبض الماضي، إلا أنها ما زالت تدرك أثر قوة الأنثى في أعماقها، وتستعيد الماضي كطفلة غرة، وفي أعماقها تقول: «هناك الكثير من الخيبات ومشاعر الفشل في حياتي، إلا أنني لا أستسلم ولا أعترف، وأصر على عنادي الذي لا يفارقني ولن يفارقني ما دمت أتنفس» (ص145).

يتمثل حيز الرواية في عمّان بجبالها مع حي المهاجرين وسقف السيل، وأميركا ومدنها، وأوروبا ورحلات «فهيمة» مع زوجها إلى اليونان، والرياض والخرج في السعودية، وفلسطين ورام الله..

ولهذه الرواية بداية ونهاية مفتوحة، تمتد عبر سيرورة زمنية محددة، وتنبني على زمنين: زمن التذكر في الطائرة العائدة إلى عمّان من أميركا، وزمن كتابة الرواية، وزمن التذكر أقصر بكثير من زمن كتابة الوقائع الذي يعتمد على مسافات زمنية متباعدة تستغرق 70 سنة. وهذا الزمن يتوزع ما بين زمن يؤرخ لطفولة «فهيمة»، وصباها، ثم كهولتها، والتي هي الحاضر الراهن الذي يتم فيه الحكي.. أما الفضاء المكاني الموظف والذي جرت فيه الذكريات فهو داخل الطائرة.. ومن خلال عملية الانشطار والتشظي للحدث والمواقف نكتشف أماكن وفضاءات أخرى، منها الوحدة والفراغ وزوجة زكي الثانية وعزيز الأحمر وأخوها شريف والغربة.

وعبر تقاطع هذين الفضاءين يتوزع الحكي، ويتوالى السرد، ويتخلله الاسترجاع والعرض والتعليق والانتقاد، فهي تنتقد الواقع الاجتماعي والتربوي وحياة الغربة والحياة الزوجية.. ثم يسقط السارد قناعه من خلال الذاكرة والتذكر والاسترجاع، من خلال تصوره الخاص للواقعية والواقع، فيحيل ما في ذاكرته إلى حياة من الواقعية الخاصة، وهي كتابة الاحتمالات في معاينة أو معاناة أو قراءة الواقع المعيش، وهذه العملية التي تخلق تعدد المستويات تسمح بالإمكانية الخلاقة للواقع الذي يتجدد باستمرار من منظور السارد الذي يعيش بهذه الفردية المتوحدة والعزلة التي تستوعب حلبة العالم في صمت اللغة الهادرة، والصورة الحبلى في ذهن المتخيل. وهنا يقوم الكاتب بعملية التلخيص معتمداً على وظيفة الإسراع في وتيرة زمن السرد، فيخلط الماضي بالحاضر، وهو ما يجعل المتابع يلاحق أحداث الرواية حتى السطر الأخير دون أن يشعر بمرور الوقت.

وأخيراً، فإن نازك ضمرة يقدم لنا رواية غنية بدلالتها التربوية والنفسية والاجتماعية والقيمية، كما إن أسلوبه في الكتابة، ولغته الموفقة، تبين لنا أننا أمام قاص بارع في السرد الروائي والتخيل الفني، يمتلك أدواته السردية امتلاكاً لا يخلو من فنية وجمالية في اختيار الشكل والأسلوب واللغة، من حيث البساطة والدقة والدلالة.