عبد الناصر صالح

شاعر فلسطيني

للبحرِ أخيلةٌ وهذا الموجُ أزرقُ

غيمةٌ غسلتْ ضفائرَها

وبحّارونَ يحتفلونَ

رائحةٌ تجيء من المدارات البعيدة.

شاطىءٌ يرنو لأغنيةٍ.

وأطفالٌ يحثّون الخُطى

في البحرِ..

كم في البحرِ من صَدفٍ

وأسماكٍ تزيَن طقسَها في الماءِ

وامرأةٍ تشيّد معبداً للعشقِ

فوق الرملِ

ترسمُ ظلّها المحفوفَ بالرغبات ِ

تنثرُ نبضَها

فأشمّ رائحةً تهدهدُ نبضيَ المُلْتاعَ

أطلقُ رغبتي

وأدقّ أجراساً لها وقْعُ القداسةِ حين تأتي..

قلبي على الشطآنِ يحرس حلمها

وربيعَ فرحتها

فتكتملُ القصيدةُ

يقفز العبقُ المخبأ في الضلوع،

الشمسُ تلبسُ تاجها

وتفكّ قيدَ حنينها للبحر والأشجارِ

مسرعةً تمرّ كخُطوتي

لتضيءَ أجنحةَ الحروفِ وغابةَ الكلمات

مسرعةً تمرّ كلهفتي عند اللقاء

كلهفةِ العشاقِ ينتظرون ليلَ جنونهم

لا شمسَ إلا وجهُها

لا نسمةٌ تأتي مع الأمواجِ

تعبر جدْب أيامي

سوى مطرِ الجدائلِ..

كنت أسكن نارها

وبراعمَ الرّمان في دمها المؤلّه

أنتشي بندىً يلامسُ خضرةَ العينين

ترْمقني بنظرة وجْدها..

وأسائل الغيمَ المكدس عن جوانحِها

فيسبقني صدى صوتي

لموعدنا الذي قد كان

أيُّ قصيدةٍ ستعيدُ موعدَها

الذي قد كان..

أيُّ براعةٍ ستضيء جمرَ الخوفِ والصّبوات..

أذكرها تجيء بثوبها الريفيّ

يَعْمُر صدرَها ألقُ الأنوثةِ،

تستفز أيائل الغابات

حين تطير بين ظلالها

وتهز جذع العمر،

تسقط صورةٌ لربيعها الأبديّ

أذكرها تراقصُ موجةً

فتحتْ ذراعيْها كعاشقةٍ

أمام البحرِ..

أذكرها

تجففُ دمعَها الملكيِّ

عائدةً إلى عذرية الزيتونِ،

كيف أردُّ نبض القلب حين يفيض رقراقاً إلى لغتي

فيأتلفُ الكلام؟

يمّمت وجهي نحوها

وأضأْتُ ليلَ قصيدتي من فيْض نظرتِها.

لكأنَّ بي عطشَ الترابِ لخطوها

سمّيتُها عمري المؤجّل

بَوْحَ ذاكرتي الخصيبة

كلما جفّ السحابُ رأيتني مطراً على شباكها

مطراً يدغدغ حُلمها بفراش أغنيتي

ويمسحُ صورةَ الجرح القديم على الضفاف

هوذا فضاءُ قصيدتي:

صوتي الذي يمتدّ من وجعي إلى زمنِ البشارةِ

حاملاً لغةَ البكارةِ

كلما خلعْت ظباءُ الحيّ نصْل الخوف عن وجناتها

أدركت أنك سوسنُ العمر الذي

يلتفُّ حول أصابعي

ويعيدني لبراءتي الأولى

لعشبِ صلاتي الأولى

وداليةٍ يراقصها خشوعُ الناي

كم قلتُ: وجهك مبتغاي

كم قلتُ: أكتبُ

ثم تسْبقُني خُطاي

هل قلتُ شيئاً غير ما لفظتْه أنفاسي

أمامَ البحرِ

فانْبَجستْ مزامير الصبابة

هل حفظتُ العهد حين رميتُ

غُرّةَ شعركِ المسدولِ،

بالسمك الملونِ

أم أرقت مساءك الطّلليّ

فوق يباب صدري..

في البحر أخْيلةٌ

وبحّارٌ يزين طقسَهُ المائيّ

وامرأةٌ على شبّاكِ معبدها..

استقامَ الوزن

واكتملتْ قصيدة.