قاسم توفيق - روائي وقاص أردني

الوقت يمضي ولا أحد يطرق باب «الريفيرا» سوى نسائم الغروب الثقيلة، جرَّب «ذيب» أن يشعل ضوءاً خافتاً ليتامَّل وجه زبونته الذي بدأ يعتم. ما إن داس بإبهامه زرّ النّور المزويّ حتى انطلق صوتٌ صارخاً من الخارج وكأنه كان يتربَّص حركة إصبعه:

«اطفي الضوّ».

اهتزَّت «وجدان» لمدى قرب الصوت منها. تأفَّف «ذيب» وأشعل عود ثقاب، صار يفتِّش على ضوئه المرتجف عن شيء ما. رجع وهو يحمل بيده عدداً من الشمعات المستعملة ومهملة الأشكال، نصب أطولهنّ على الطاولة التي تحتلّها زبونته، حطّ بمؤخرته على الكرسي المقابل لها، أشعل نور الشمعة التي صارت تتوسطهما، على الضوء الخافت عاد وجهاهما للانكشاف، لقد حقَّق مبتغاه وصار يتأمَّلها عن قرب، أمّا هي فلم ترَ سوى ابتسامة حلوة وكأنَّها تلوح من فمه للمرّة الأولى في حياته.

كلُّ واحدٍ من البشر يحسب أنَّهُ لغزٌ غامضٌ للآخرين، وإنْ لم يكن كذلك؛ فإنه يجهد روحه ليكون غامضاً وعصياً على الانكشاف، لا يريد لأحد أن يفكَّ طلاسمه، إلّا إذا عزم أمره لشيء ما في نفسه، وقرَّر أن يفكَّ طلاسمه، دون أن يفكِّر بأنّه مثل غيره من الناس، إذا ما دُقِّق النَّظر فيهم يصبحون عراة مكشوفين كيوم ولدتهم أمهاتهم.

هل ما يشغل حياتها من حزن وكمد هو ما جعلها لا تتأمَّل ولو قليلاً في صورة هذا الرجل الذي تلتقيه مرّة أو مرّتين في الأسبوع؟ هي لم تحاول أنْ تعرفه، وكانت تظنُّ أنَّهُ مثلها، لن يشغل نفسه بالبحث عنها بأبعد ولو قليلاً عن نظره.

كلَّما استقبلَها بالابتسامة نفسها التي تحفظها؛ كانت تحسُّ أنَّها ليست ابتسامة حقيقيّة، بل هي شيء يشبه كثيراً ورود البلاستيك الساذجة التي يزيِّن بها حانته، وتمقتها. ابتساماته تلك واحدة من وردِه البلاستيكي، شيء من لزوميّات عملِه، مشاعٌ للزبائن، يرونها كيفما يرغبون، يحبّونها، أو يمقتونها. ورْدٌ مشاعٌ للعيون؛ تراها مثلما تريد، وابتسامة مشاع يراها الزبون كيفما يحبّ. لم يخصّها بها، أو يُشعرها أنها ملكٌ لها، ولم يسبق له أن رسمها على شفتيه احتفاءً بحضورها مثلما يريد أنْ يوهمها.

شفتاه اللتان جعلتْهما نارُ الشمعة شهيّتين، وابتسامته التي بُعثت من بينهما فيها مذاقٌ آخر مختلف.

«كيف فاتتكِ هذه؟ كم مرّة قابلَكِ بالابتسامة البلاستيكيّة نفسها؟ هل سألتِ نفسكِ إن كان من المعقول أنّ على الأرض إنساناً فرحاً كلّ الوقت؟».

لم تعرف إن كانت حالة الفرح التي لامستها سهلةَ الانكشاف لمضيفها؛ أثرٌ ليس بصخب أثر فراشة، هذا ما خلَّفته فيها هذه الابتسامة التي أيقنت أنها تعنيها وحدها. صارت تعدو برشاقة في تفكيرها محاولة التقاط اللحظة الحلوة التي لامستها. «ذيب» ليس ذاك الساقي الذي طُبعت على فمه الضحكة نفسها منذ الأزل، لا بد أنه كائن يشبهها في أشياء كثيرة؛ يحزن، يبكي، يمرض، يحلم، يُحبط، يفتقد لعمر أجمل، يشتاق لحبيب مفقود أو حبيب لم يلتقِ به، تلك الابتسامة الملتصقة بفمه للزبائن لا تعدو كونها سوى مؤامرة يحيكها ضدّهم لكي يظفر بالقروش التي يدفعونها له، وهي منهم.

هل يعرف «ذيب» أنَّ مَن يرتادون حانته بشرٌ توّاقون للفرح، أو للكثير منه؟ وأنَّ لا أحد منهم يفكر أنْ يعيش وجع وحزن غيره، بل يريد أن ينفرد بحزنه، وأن يلقي به على عتبات جرعات الخمر التي يكرعها؛ لذلك يبتسم لهم، ويحتمل سكرهم وتعليقاتهم وغضبهم.

هو ليس الوحيد في لعب هذا المشهد المسرحيّ المُزيَّف، الآخرون كلهم الذين يدفعون باب حانته ويطلبون الشراب مشاركون مثله. لم تفكر «وجدان» حتى اللحظة بأنها مثل كل هؤلاء، وبأنه لا يبتسم لها؛ بل للقروش التي تنفقها في حانته.

لا أحد يعرف هذه الحقيقة سوى «ذيب» الذي تعلّم أنَّ أول ما يطلبه الزبون قبل شرابه هو استقبال لطيف وابتسامة لا يهمّ إن كانت صادقة أو مصطنعة. طلب يُقدَّم مجاناً للزبون، لا تضاف قيمته إلى الفاتورة. من الممكن أن تكون «وجدان» قد وجدت ما يريحها ولو للحظات، ولم ترغب بإطفاء نور تلك اللحظات الخافت، ولا كبح الفرح المتواضع الذي أحسّته، تسرَّعَت على غير عادتها، ولم تحاول إخفاء احتفاليّتها المتواضعة باكتشافها، فقالت بلا تردُّد أو خجل:

- ابتسامتكَ حلوة.

لم تقدر البيرة القليلة التي كرعها «ذيب»، ولا كأس الويسكي الذي دفعه في جوفه بالخفاء وهو يفتِّش عن الشموع، ولا العتمة، من ستر ارتباكه الذي التقطته هي بأسرع منه. واصلت وكأنَّها تعتذر عن أمر لا يجوز الاعتذار عنه:

«عنيتُ أنَّ ابتسامتكَ مختلفة، غير تلك التي أعرفها». ثم عندما هرَبَت منها الكلمات أكمَلَت: «هل تفرحكَ الحرب؟».

وسعت ابتسامته الحلوة ذاتها أكثر، نظر بوجهها وكأنه يراه لأوّل مرّة، لم يفكِّر بمقاطعتها، أراد أن يسمعها أكثر. أما هي فلم تعُد ترغب بالفرار من المأزق الذي انسلّت فيه بسهولة:

- أنا أتكلّم مع كل مولود جديد، أخبره أنَّ خلقته حلوة، أو عينيه واسعتان، أو أنه عصبيّ المزاج.

- هل يستمعون لكِ؟

- لا أعرف.

- إذاً يكلّمونك؟

ضحكت، هزَّت يديها وكأنها تطرد شيئاً عالقاً أمامها، قالت بدلال:

- لاااااااا.... لا أكلمهم، أبتسم لهم فقط. خلص، انتهينا، ابتسامتكَ قبيحة.

«اطفي الضو».

انفجر الصوت ثانيةً من بعيد.

***

انبعثت أصوات انفجارات عنيفة هزَّت سكون المدينة، انتفضت «وجدان»، هبَّت واقفة، وبلا إدراك لِما تفعله هرعت خارج «الريفيرا». لم يردعها عن الركض في الشارع سوى انتباهها إلى أنَّها تركض وحدها دون «ذيب».

الخوف الذي حطَّ عليها عند سماع أصوات الانفجارات أجهضه بقاء «ذيب» متمسمراً على كرسيه وكأنَّ ما وقع أمرٌ يحدث كثيراً. انتبهت وهي واقفة في الطريق وحيدة تلتقط أنفاسها أنَّها قد بالغت كثيراً في خوفها، حسبت أنَّ هذه الانفجارات قد دكّت السفارة البريطانيّة القابعة على الطرف المقابل من الشارع.

«انفجار ضخم في هذه المنطقة لن يقصد مكاناً آخر في هذا الحيّ الهادئ سوى واحدة من السفارتين؛ هذه، أو الأميركيّة التي لا تبعد كثيراً عن هنا».

عندما وصلت الرَّصيف المقابل رأت مبنى السفارة على عكس ما تخيَّلته، على عكس البيوت والمحلات المحيطة بالمنطقة، كان غارقاً بالهدوء، أنواره الخافتة كانت تضيء جدرانه الحجريّة بنعومة، وعَلَم بريطانيا العظمى الكبير كان ما يزال يرفرف فوقه بلا وجل.

لحق بها «ذيب» بعد أن أحسَّ أنها قد تأخرت في الخارج، كانت واقفة تنظر صوب السفارة، أمسكها من ذراعها، حاول سحبها بلطف إلى داخل المحل. دفعت يده بعيداً، رجعت تراقب السماء بعينين فزعتين:

«تراهم قصفوا السفارة؟»، سألته بقلق.

«ادخلي»، صرخ بها وهو يعيدها إلى الداخل، «هذا صوت اختراق طائرة لحاجز الصوت».

- هل قُصفت السفارة؟

«لقد لجمكِ الخوف»، تأفَّف ثم قال بصوت مرتجف: «مَن يجرؤ على قصف هذه السفارة؟».

لم تحاول أن تفسِّر معنى انفعاله وغضبه المفاجئ، حملقت به مستوضحة، وكأنَّها تبحث عن معنى لِما يقوله، أو عمّا يخرجها من الحالة التي صارت عليها.

عاد له هدوؤه بعد بعض الوقت، وخزه أدبه المهني، شعر أنه قد تجاوز حدود اللياقة عندما صرخ بها، حاول أن يخفف من التوتر الذي استولى عليهما. بصوت متلعثم قال:

- هذه الانفجارات يا سيدتي ليست سوى أصوات فارغة، تحدثها الطائرات عندما تزيد عن سرعة الصوت. ليست أكثر من محاولة لتخويف الناس.

عوض عن أن يخفِّف عنها، زاد من خوفها، عاجلت بالدخول، لحق بها بعد أن ترك الباب خلفه موارباً وكأنه ما يزال يأمل بأنَّ هناك مَن سيقصد حانته. فتَّشت بعينيها عن بقعة يمكن أن تكون آمنة من قصف الطائرات، تكوَّمت على الكرسي وهي ترتجف.

«إن كانت هذه أصواتٌ، فما الذي تفعله القنابل؟» تساءلت في سرِّها.

لا تزيد مساحة «الريفيرا» عن بضعة أمتار. عدد قليل من الطاولات المحاطة بمقاعد صغيرة، بار صغير وثلاثة كراسٍ مرتفعة التصقت به، على الجدار الخلفي أرفف خشبيّة اصطفَّت عليها زجاجات متنوّعة، بعضها ممتلئ وبعضها ما يزال فيها النصف، أو الربع، أو أقل من أصناف الخمور. مضخَّة البيرة التي تستقي سائلَها من برميل مختبئ في خزانة وطيئة كانت تلمع فوق البار.

من المفترض أنَّ الجدار الذي عُلِّقت عليه صورة كبيرة لـِ«لوريل» و«هاردي»، وأخرى لعجوزٍ ملتحٍ يحمل كأس بيرة كبيرة، كان واقفاً ليخفي وراءه مبولة صغيرة ضيِّقة لقضاء حاجة كلا الجنسين، فهي لا تتَّسع سوى لمستخدمٍ واحدٍ، تُغلق بباب أوكورديون يصدر صوتاً ناشزاً كلّما فُتح أو أُغلق. هذه هي التفاصيل التي تعرفها «وجدان» عن المكان، لم تفكر قبل اليوم بأنه من الممكن أن يكون هناك عالم آخر مختبئ وراء ما تراه أو ما تظن أنها تعرفه.

حدث تلك الليلة أنها رأت ما لم يَرَه أحدٌ غيرها. لو أنها كانت تعرف أنَّ لمضيفها مكاناً خاصاً هنا إذاً لبحثت عن ملجأ فيه، في تلك البقعة الغامضة التي لم تكن تعرف أنها موجودة.