بداية، نحمد الله تعالى على عدم سقوط ضحايا بشرية في حادثة الحريق الذي شبّ في الكاتدرائية الشهيرة واسمها «نوتردام» أو «سيدتنا»، ويقصدون بها السيدة مريم العذراء. أما التضامن الدولي الواسع فكان لأنها أولاً معلم ديني، وثانيًا تاريخي، وثالثًا إنساني. وهذا بالمناسبة ما تضمنته برقية التضامن التي أرسلها سيّد البلاد جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الرئيس الفرنسي.

أجل نتضامن لأنه معلم ديني، وللمكان ذاكرة كبيرة في نفوس الفرنسيين والسياح والحجاج الوافدين إلى فرنسا من مختلف أنحاء العالم، وعلى سبيل المثال، لم ينظم أي وفد أردني رحلة إلى فرنسا إلا وكانت كاتدرائية نوتردام على سلم أولويات البرنامج. وجيّد أن نذكر أن الكاتدرائية - أي كنيسة الكرسي الأسقفي–التي تقام بها كل الاحتفالات الرئيسية التي يترأسها كاردينال أو رئيس أساقفة، من رسامات أساقفة وكهنة وأعراس وجنانيز، فضلا عن احتفالات دينية يومية وأسبوعية وفي الأعياد.

ونتضامن لأنها تاريخية، فكم من حدث تاريخي لفرنسا وأوروبا قد ذكرت نوتردام المبنية خلال الأعوام 1160-1260 كمسرح اساسي للاحداث. وكم انتقلت هذه الدولة الكبرى فرنسا من أزمة إلى أخرى، لكنّ «السيدة» بقيت شاهدة على سير عربة التاريخ من مرحلة إلى أخرى، ولكن بثبات وثقة. وحتى بعد اعلان «علمانية» الدولة الفرنسية ومن بعدها «العلمانية الايجابية» بفصل الدين عن الدولة، كانت النوتردام حاضرة ومؤثرة في حياة الناس والدولة، على تعدد الاعراق فيها.

ونتضامن لأنها إرث إنساني عالمي، وللإنسانية معالم تراثية عالمية مشتركة، توحّد البشرية في النظر الى أنّ هناك نسيجًا واحدًا للأسرة البشرية، وهذا ما شعرنا به أردنيًا حيث تمّ الإعلان مؤخرًا عن موقع المعمودية–المغطس كإرث إنساني عالمي، إنّ ذلك قد جعلنا نشعر بأن لدينا كنزًا قدّمناه للبشرية. وهكذا نوتردام وغيرها من المعالم العالمية التاريخية الشاهدة على «الأخوّة الإنسانية» حول التراث والإرث والودائع المشتركة للإنسانية، وقد عمل الأسبقون على تسليمها نقيّة وبهيّة، وهكذا نعمل على تسليمها للأجيال المقبلة بذات الانتماء والأصالة والأمانة والمسؤولية.

وبعد، فإن الله تعالى قادر على استخراج الخير من الشرّ، وبالرغم من مأساوية الحدث، إلا أنّ التضامن البشري الواسع قد جعل العالم متحدًا من جديد على مشاعر طيبة وكريمة وجامعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كانت الصلوات التي رفعها الباريسيون وزوّارهم، في الشوارع القريبة من الكاتدرائية المحترقة، يقينا بانّ الايمان لم يغب عن المجتمع الفرنسي الذي ننعته أحياناً بحيادية كاملة تجاه إيمان سكانه، لكنّه أثبت من جديد بأنّ الإيمان ما زال ساطعاً، وما زالت فرنسا، كما كانت تدعى في الماضي، الابنة الكبرى للكنيسة الكاثوليكية.

Abouna.org@gmail.com