الخوف يحط كالغيم المجنحة على مدارج روحي، الخوف على وطني يجتاح المدى عبر المدى مهرولا.. غير أنه سيحط عند قَدَميّ، وأعصر عليه منديل الغيم وأرقه بكلتا يَديّ..

يا وطني نحن شربنا يحموم القناة، نمج الموت ونسقي معتق الزؤام عِداه، نحن من يحمل بشائر الحب والسلام وحب الحياة، ونحن من يحمل بشائر المنايا ونهديها لمن ظن انه يعكر صفو هواه..

لن اغادر لأعيش بجلباب الحزن الذي يستهوي أفئدة المساكين والضعفاء، لن أغادر لأكتب عن الحنين وتجليات الوقوف على الاطلال، لن اغادر لأبحث عن منبر اطل منه على شرفات وطني، وازجي اليه أبياتا من الشعر، ليصفق الجمهور المتعاطف مع بؤسي، لن أغادر لأكتب عن حُرقة الاضلاع والوطن المضاع.. فأنا هنا وابن هنا وسأبقى هنا، هنا أبي هنا داري، هنا معبدي وانتظاري، هنا سجادتي وخلاص الروح وجميل أقداري..

لن اكتب تبدت لنا سفوح شيحان، ووادي السلط وسهل حوران، ومرابع أهلي، ولن اكتب عن حسرتي لسامر الجنوب، وزفة إربد، وأهدر بقاعة ممتلئة بالبلهاء، جاء كل منا ليبرر الهزيمة، وأنا احاول من ثقب انهزامي ان يعيشوا ادق تفاصيل الهروب، واحمل تصفيقهم على وجه روحي آخر الليل في تجليات الحساب امام ذكورتي وانهزامي..

انا هنا وابن هنا وسأبقى هنا، لن نغادر مدارج الصبا، ونشوة نيسان العابق بكل آيات الجمال، وآب كأبي يقسو علينا بعض الوقت ونتوسد ذراعيه آخر الليل، وايلول يبعث فينا الحياة..

لن اغادر ليكتب النقاد عن احساسي المرهف، وتعلق قلبي التواق بالمكان، ولن اقف واستوقف وابكي واستبكي واستدر عواطف الامم، بل سأبقى هنا واعيش حالتي كيفما كبرياء، اواجه اقداري، وانفي قبل منفاي كل من يحاول ان يعبث ولو بشباك داري..

لن اكتب عن حسرة الفقدان والاهل والخلان والاحباب والجيران، ولن امارس طقس التعبير عن الحب والوجل والتوجع والحزن والتنائي والطلل.. ولن ولن اكون الغائب الحاضر يا وطني.. فأنا هنا وسأبقى هنا.. لن أعيب على الزمان، واعلق هروبي على ساعة انا اقطعها، واندب حظي على وطن اضعته، واسب الحياة بغربة، غير ان القول الفصل: البعض ينظر للوطن على انه امرأة عابرة، يلعنها اذا ما حفل بأخرى في ليلة قادمة، ونحن ننظر اليه على انه الأم التي لا تتكرر..

عجبا لمن يكتب أنه يموت شوقا الى الوطن.. لو كنت تحبه لبذلت من دمك الثمن، أيها العابثون لن تمروا من هنا.. فنحن هنا وسنبقى هنا يا وطني..

ziud11@yahoo.com