عمان - حيدر المجالي

خلقت وسائل التواصل الإجتماعي حالة من الإحباط لدى الأبناء، ما أثر على نمط تفكيرهم الذي يصطدم بمعايير التربية التقليدية للأسرة؛ فشكل ذلك فجوة كبيرة ما بين جيل الآباء والأبناء، وسط عدم تقبلهم للنصائح والمواعظ.

قد تكون نتائج التحصيل الأكاديمي للذكور تحديداً، متدنية مقارنة مع الإناث، بسبب عدم الثقة بمستقبل يؤمن لهم حياة كريمة، حتى لو كان لديهم شهادات علمية؛ ذلك أن حالة التواصل والإطلاع على كثير من الحقائق، جعلتهم أمام واقع يصعب تجاوزه.

الأمر الذي دفع كثيرا من الأسر إلى الإستسلام أمام هذا النمط من التفكير لدى ابنائهم، لأنهم غير قادرين على تلبية رغباتهم التي غالباً ما تكون مغايرة للواقع، خصوصا مع زيادة نسبة البطالة لدى الخريجين.

تفكير جديد ينذر بالإحباط والجمود، ويؤدي إلى حالة من الفوضى والضبابية، لجيل يعيش حالة من الشد، والشد العكسي، بين الظرف العائلي الذي يعيشونه، وبين مستقبل كجبل الجليد.

بحسب دراسة أكاديمية أجريت عام 2016 حول المخاطر الأمنية والاجتماعية لشبكات التواصل الاجتماعي على الشباب، أن نسبة كبيرة من الطلبة يؤيدون أن منصات التواصل الاجتماعي لها تأثيرات سلبية على الجوانب الثقافية والفكرية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وأن لها العديد من المخاطر على الأجيال الحديثة.

يرى مختصون في علم الاجتماع أن اختراق مواقع التواصل الاجتماعي لحياة الأبناء، في ظل وجود فجوة بين جيل الآباء والأبناء وغياب احد الوالدين عن مسرح الحياة الأسرية، جعل دور الوالدين في التربية ومحاولة النقاش والإجابة عن الأسئلة التي يبحث الأبناء عن إجابة لها ضعيفاً وغير مجد. وفي هذا الصدد يؤكد رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور رامي الحباشنة أن ثمة فجوة بين الأجيال لها جذور اجتماعية، ولها عدة عوامل، وجزء منها يتعلق بعملية الإنتقال السريع التي حدثت بعد التأطير لعصر العولمة منذ بداية التسعين من القرن الماضي.

وأشار إلى أن التكنولوجيا الحديثة، والعامل الاقتصادي، خلقا مناخاً جديداً، شكّل حاضنة للجيل الجديد، تختلف عن الحاضنة التي نشأ فيها الجيل القديم، وبالتالي فإن مجموع التأثير التكنولوجي والإقتصادي ضمن مظلة العولمة، أوجد ما يمكن تسميته بمعايير وقيم جديدة. ودلل الدكتور الحباشنة بالقول:«ما كنا نحكم عليه بأنه صحيح قبل سنوات، قد لا يكن كذلك في العصر الحالي». وبيّن أن الفجوة المشار إليها، خلقت ما يسمى بالصراع الداخلي عند الجيل الجديد، وهو الجيل الحالي الذي لا يعلم إن ما تنشأ عليه اجتماعياً من محاذير وأبجديات سلوكية عبر الأسرة، أو المدرسة، يجدها اليوم تولد حالة من الصراع الداخلي لديه.

لافتاً إلى أن هذا الجيل الجديد يتمزق بين أمرين، ما تنشأ عليه وبين أبجديات الواقع الذي يعيش فيه، وأيضا التمزق الآخر ما بين الإمكانيات والطموحات.

وضرب أمثلة حول التحولات الاجتماعية التي عاشها جيل الماضي مقارنة مع جيل اليوم، بمعنى أن الشهادة الجامعية في الماضي لها أثر كبير وأهمية بالغة، لكن جيل اليوم يرى بأن ثمة أمورا أخرى لا بد من الحصول عليها بالتوازي مع هذه الشهادة، كاللغات والأدوات التكنولوجية.

وأشار الدكتور الحباشنة إلى أن الجيل الجديد يعاني من صراع له علاقة بمعايير الثقة بينه وبين مؤسسات التنشئة الاجتماعية، التي تبدلت أدوارها، فهو هنا أمام خيارين اما أن يسير في فلكها، أو يتجه لمنحى آخر؛ وهذه الحالة حسب الدكتور الحباشنة تسمى (اللامعنى) أو الضبابية، ومن أمثلة ذلك الأسئلة التي يطرها الجيل على نفسه، هل يمكن أن أجد عملاً بعد التخرج؟! وما هو الدخل؟ وهل يكفي لتكوين أسرة؟ لذلك فإن كثيرا من الأسئلة لديه ليست واضحة الإجابات.

ويشير الدكتور الحباشنة إلى أن هذه الحالة تسمى «الأنومي» وهي فقدان المعايير، ويمكن القول أن نسميها تخبط المعايير، ومن أمثلتها أن الجيل القديم يعتبر الغش في الامتحان طريقا غير شرعي، فيما لا يعتبره جيل اليوم كذلك، أو ليست عند تلك الحسابات.. وأستنأنس بقول لعلي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - «باطل يحميه كثرة، يتحول الباطل إلى حق».

ويرى بأن الضعف في تسليح الجيل من الناحية الثقافية والتوعوية، هو ضعف في تسليحه من القاعدة الاقتصادية والسيكولوجية، وهذا يولد حالة من الإضطراب والفوضى، وبالتالي يدفع المجتمع ثمن ذلك.