عمان - سمر حدادين

يعيشون في الظل، بلا وثائق، وبلا هوية، دون أن يجدوا بصيص أمل ينقذهم، إما لأنهم فقراء أو لأنهم لا يعرفون حقوقهم القانونية وكيف يمكنهم أن يزاولوا حياتهم بلا تعقيدات.

قصص متعددة لأسماء مختلفة يجمع بينها أن أصحابها ولدوا على هذا الكوكب ضمن ظروف اجتماعية صعبة، حيث تعاني أسرهم من التفكك الأسري أو بحالة من الفقر،فرضت عليهم العيش في دوامة البحث عن خيط رفيع قد يعيد حياتهم إلى مسارها الصحيح.

يعيشون بيننا بلا وثائق أو أسماء رسمية لأسباب متعددة شرحتها المحامية إلهام أبو لبدة من مركز العدل للمساعدة القانونية، منها ولادتهم لأبوين معروفين لكن لا يوجد ما يثبت الزواج، أو أنهم نتاج زواج عرفي، أو تفكك أسري، أو نتيجة علاقة غير شرعية أو اغتصاب.

خمسة أطفال لأسرة واحدة يعيش كل واحد منهم في مؤسسة رعاية مختلفة، نتيجة التفكك الأسري تم إيداعهم في تلك المؤسسات بعد أن هاموا على وجههم في الشارع نتيجة تخلي والديهم عنهم.

هم أبناء شرعيون لزوجين قررا أن يفترقا، وفق ما روت القصة لـ (الرأي) المحامية أبو لبدة، اذ قالت إنه لم يكن ضمن حسابات الأب والأم طيلة حياتهما الزوجية القصيرة أو بعد الافتراق، أن يستصدرا وثائق رسمية تثبت نسب أولادهم واسمائهم.

وبينت أنه تم تحويل قضيتهم إلى مركز العدل للمساعدة القانونية عبر إحدى شركائهم، لافتة إلى أن تعاون إدارة حماية الأسرة مكنهم من الوصول إلى الأب ومعرفة مكان سكنه، حتى يتمكن من استخراج وثائق لأولاده.

وقالت المحامية أبو لبدة إن المركز رفع قضية وقام بتوكيل محام للأب وتابع القضية إلى حين أن تمكن من إصدار الأوراق الرسمية للأطفال.

وتم إقامة دعوى تثبيت قيد الولادة، وبعد الحصول على قرار قطعي بهذا الأمر، تم الطلب من الأب الذهاب الى الأحوال المدنية لاستخراج شهادات ميلاد لأطفاله.

وتقول أبو لبدة «لقد كانت المفاجأة أن الأب لم يستكمل الإجراءات، والسبب هو ضرورة دفع الأب لغرامة تبلغ 55 ديناراً، مبينة أن مركز العدل للمساواة القانونية الإجراءات وتم استصدار شهادات ميلاد.

قصة الأطفال الخمسة هي واحدة من عدة قصص، حيث تفيد إحصاءات مركز العدل لعام 2018 أن لديهم 23 تمثيلاً قانونياً و49 إستشارة كل شهر، لقضايا تتعلق بالتوثيقات الشرعية والمدنية.

وحسب مدير وحدة الاتصال في المركز حسين الصرايرة فقد بلغ عدد القضايا المسجلة من قبل محاميي المركز في هذا الشأن 279 قضية، وقدمت 589 استشارة في المجال نفسه.

ولفت الصرايرة إلى أن كل من هذه القضايا تشكل 10% مجموع التمثيل القانوني، و13% من الاستشارات القانونية.

وفي موازاة ذلك، بينت نتائج مسح السكان والصحة الأسرية 2017 – 2018 أنه يتم تسجيل 98 % من ولادات الأطفال دون الخامسة من العمر لدى الأحوال المدنية، 89٪ منهم لديه شهادة ميلاد و9% تم تسجيل ولادتهم ولكن لا يملكون شهادة ميلاد.

«عماد» – اسم مستعار- في العقد الثاني من عمره وله ثلاث شقيقات، وحالتهم واحدة من الحالات المعقدة التي تلقاها مركز العدل، دخل والده السجن وظل الأطفال الأربعة مع الأم، التي قررت لأسباب غير معروفة ترك أطفالها، وكان «عماد» حينها يبلغ من العمر ست سنوات وأصغر شقيقاته رضيعة.

قام الجيران بتسليم الأطفال الأربعة لإحدى الجمعيات التي بدورها أحالتهم إلى إدارة حماية الأسرة، ومنها إلى دار رعاية، ورغم معرفة اسم ومكان الأب، إلا أن الزواج كان عرفياً.

أراد «عماد» أن يمارس حياته الطبيعية خصوصا وأنه بلغ سناً لم يعد يسمح له بالبقاء بدار رعاية، فسعى لذلك، حيث عاد إلى مكان سكنه فكان الأب متوفيا من سنوات والأم توفيت أيضا، فلم يتمكنوا من إثبات النسب وإصدار شهادة ميلاد لهم وبقوا مجهولي النسب.

قضية «هناء» – وهو اسم مستعار–لا تقل تعقيدا عن السابقة، كما قالت المحامية أبو لبدة، والتي روت قصتها، فقد تعرضت «هناء» للاعتداء الجنسي من قبل ثلاثة أشخاص، ونتج عن ذلك حمل وأنجبت طفلة.

وقام أحد الأشخاص المعتدين بالزواج من «هناء» وفقا للمادة 308 من قانون العقوبات، التي ألغيت، وكانت تعفي المغتصب من العقوبة في حالة زواجه من الضحية، الصدمة كانت عندما أجري فحص الحمض النووي (DNA) للطفلة، حيث أثبت الفحص انها ابنة أحد المعتدين الآخرين، فطلقها زوجها وتركها وطفلتها.

حاولت هناء، عبر وزارة التنمية الاجتماعية، إصدار شهادة ميلاد للطفلة، لكن دون جدوى، اذ تم تحويل القضية لمركز العدل من وزارة التنمية وفقا للمحامية أبو لبدة، حيث بينت أنه لم يكن هناك أي معلومات قد تساعد في حل القضية.

ولفتت إلى انهم التقوا مع الجهات المعنية (الأحوال المدنية، إدارة حماية الأسرة) لبحث إيجاد الحلول، وبعد الحصول على قرار قطعي بقضية الاغتصاب، حصلت الطفلة على شهادة ميلاد فيها اسم الأم معروف واستخرج لها شهادة ميلاد برقم وطني ولكن ظل اسم الأب مجهولاً، وتمكنت الطفلة الالتحاق بالمدرسة بشهادة الميلاد الفارغة من اسم الأب.

وتنص المادة 20 من قانون الاحوال المدنية انه إذا كان المولود غير شرعي، فلا يذكر اسم الأب أو الأم أو كليهما معا في سجل الولادة (إلا بناء على طلب خطي منهما أو من أي منهما مؤيداً بحكم قضائي قطعي) وعلى أمين المكتب ان يختار اسماً للوالدين، ويعتبر باطلا كل تسجيل لولادة تم خلافا لأحكام هذه المادة فيما يتعلق بذكر اسم الأب و الأم.

وبينت المحامية أبو لبدة أن هناك العديد من الصعوبات التي تحول دون استخراج شهادات الميلاد، أهمها الغرامات ورسوم التقاضي، المترتبة في حال لم يتم تسجيل واقعة الولادة خلال شهر.

وتنص المادة 13 من قانون الاحوال المدنية وتعديلاته لعام 2001 على انه يتم التبليغ عن الولادة، لدى أي مكتب خلال ثلاثين يوما من تاريخ حدوثها على الأنموذج الذي تعده الدائرة لهذه الغاية، واذا لم يكن في الجهة التي حدثت فيها الولادة مكتب يكون التبليغ إلى المختار الذي عليه أن يبلغ المكتب التابع له خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغه بالواقعة.

وبينت انه إذا تمت الولادة خارج المملكة يجب التبليغ عنها خلال تسعين يوما من تاريخ حدوثها، على ان يتم استيفاء غرامة مقدارها عشرة دنانير إذا تم التبليغ بعد مضي المدد المحددة.

ومن المعيقات، وفق المحامية أبو لبدة، استصدار شهادة ميلاد (غير رسمية) للطفل عند دخوله إلى دار الرعاية، ويتم الاكتفاء بها ولا يتم متابعة الملف ومعرفة فيما إذا كان معروف الأبوين أو لدى أسرته قيد في السجل المدني، فيترك الملف دون متابعة.

وكان مدير مديرية الأسرة والحماية في وزارة التنمية الاجتماعية محمود الجبور قال في تصريح سابق لـ $ إن الوزارة تستقبل الأطفال في دور الرعاية الاجتماعية باختلاف حالاتهم، التفكك الأسري، والأطفال غير معروفي الآباء والأمهات، والأطفال معروفي الأمهات ومجهولي الآباء من خلال الجهات المعنية المخولة بتحويل هؤلاء الأطفال بهدف الحماية والرعاية بحيث تقدم لهم الوزارة الرعاية الكاملة كون العديد منهم يقضي سنوات طويلة بهذه المؤسسات.

وأضاف أن المعلومات الواردة في ملف كل طفل يصل للمؤسسة يبقى طي الكتمان ولا يتم الإفصاح عن أي معلومات به للطفل ولو وصل للسن القانونية، لأن الوزارة ليست مخولة بإطلاع المنتفع على هذه المعلومات، إلا من خلال الجهات القانونية المخولة بذلك، والتي من خلالها يتعرف على هوية الأم ويقوم برفع دعوى اثبات النسب من خلال المحاكم الشرعية.

وفي حالات شبيهة بحالة «هناء» لا تدرك النساء أن عليهن الحصول على قرار قطعي يخولهن استصدار شهادة ميلاد للطفل، ومعظمهن لا يعرفن رقم القضية التي سجلت لكي تتم متابعتها، وبالتالي لا تحصل على قرار قطعي، خصوصا إذا مضت سنوات طويلة على القضية، فحينها قد يكون الملف قد أتلف.

ولفتت ابو لبدة إلى أن هذا الامر يؤدي إلى ضياع حقوق الأطفال بنسبهم وبإمكانية إصدار وثائق رسمية لهم.

وبينت أن هناك قضابا معقدة لأشخاص بالغين بلا وثائق، لو تمت معالجة الملفات فورا، من لحظة استخراج الشهادة غير الرسمية في دار الرعاية، كان من الممكن إثبات النسب واستخراج شهادة الولادة.

وأضافت أن هذه الاوضاع تدخلنا بتجاذبات قانونية، حيث يتم اللجوء إلى رفع دعوى إبطال حجة الإرث بغية إثبات النسب.

وبينت أن عدم وجود شهادة ميلاد تؤدي إلى ضياع حقوق الطفل في التعليم، وفي العمل لاحقا، أو بالحصول على مساعدات.

وبحسب المحامية إلهام أبو لبدة، توجد مناطق في الأردن بالاطراف أو بعض المناطق الشعبية يعيش فيها أشخاص بلا وثائق ولا يجدون من يساعدهم لاستصدار الوثائق.

ووفق مصدر رفض الإفصاح عن اسمه فإن القانون لا يعطي دائرة الأحوال المدنية أية صلاحيات لتصويب أوضاع من لا يملكون الوثائق من تلقاء نفسها، كما أنهم لا يظهرون بسجلاتها.

من جهته، قال مالك الخصاونة الناطق الرسمي باسم دائرة الأحوال المدنية أن فروع دائرة الأحوال المدنية منتشرة في مختلف أنحاء المملكة من مدن وقرى وبواد، ويتم إصدار شهادات ميلاد أردنية للأردنيين، كما تصدر شهادات ميلاد لمن يولد على الأرض الأردنية وهو غير أردني، ولا تحمل هذه الشهادات رقماً وطنياً.