منذ تفتّحت مداركنا على الدنيا السياسية، ونحن نسمع أنّ «الأردن في مفترق طرق»، وأنّ «الأردن على الحافة”وهو عنوان كتاب لآخر سفير بريطاني بعد طرد غلوب باشا، وفي سهرة ما قال لنا صديق يساريّ إنّ كتابه المقبل سيحمل عنوان: «انتحار دولة»، وقُبيل أيام استمعت إلى من يقول لي بمناسبة الحديث المُبهم عن صفقة القرن: «الأردن ذاهب إلى المجهول»

رئيس الحكومة الأسبق سمير الرفاعي يستذكر حواراً بينه وبين رئيس وزراء مصر الأسبق أحمد نظيف، قُبيل «ميدان التحرير و٢٥ يناير» بأسبوع، حيث قال الأخير: «أنا خايف عليكم في الأردن» على أرضية حراك الشارع، وكان الأجدر به أن ينتبه إلى بلده الذي دخل إلى الفوضى بعد أيام!

وأتذكّر أنّني كنت في مطعم في برلين مع زملاء من الشفافية الدولية حين بثّت «سي ان ان» نبأ وصور تفجيرات فنادق عمّان، فتندّر صديق عربي بأنّ الأردن انضمّ أخيراً إلى نادي الفوضى، فأنّبته، وغادرت لأحجز أوّل مقعد متاح للسفر إلى عمان، وكانت الرحلة بعد ظهر اليوم التالي.

وفي جلسة الصباح كُنتُ المتحدّث الرئيسي، فبدأت كلمتي أمام عشرات خبراء مكافحة الفساد من أنحاء العالم بأنّني من ذلك البلد الذي فُجّرت به ثلاث فنادق أمس، وسأعود إليه بعد قليل، وقبل أن أتابع امتلأت القاعة بالتصفيق، وخلال الجلسة قُلت: ومع هذا فسيكون الأردن أوّل بلد في المنطقة تؤسس فيه هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، وأضفتُ:

العمل سيكون كما المعتاد » Business as usual»، وهذا ما حصل بعدها بأشهر فعلاً!.

في مطلق الأحوال، وفي كلّ الظروف الصعبة التي مرّت على البلاد عبر السنوات، وما زالت تمرّ، كان الأردن يجتاز المجهول بسلاسة صعبة، ولسنا نقول هنا إنّنا نعيش في جنّة الله على الأرض، فلدينا من المشاكل ما يكفينا وزيادة، وبأكثر ممّا تتحمّل الجبال.

ولكنّنا نقول: مع أنّ المشهد الأردني يمتلئ بالمناكفات والمشاكسات والتذمّر والشكوى المشروعة والمبرّرة والمفهومة، فهو مشحون بعناصر الوحدة والتحدي، ولعلّ هذا هو سبب استقرار البلاد، ويقف خلف الملك الذي يقول الآن: «لا» للظلم والظلام، ويستنفر كلّ قواه التنفيذية والبرلمانية والإعلامية، ويحشد لنشر موقفه النظيف في أنحاء العالم بدبلوماسية ناعمة متينة ناجحة، فالأردن إذن ليس في «المجهول»، بل هو في «المعلوم»، وللحديث بقية.

basem.sakijha@gmail.com