للّغة دورٌ عميق الأثر في تحقيق السّلم الاجتماعي؛ فربّ كلمة أشعلت حرباً، وربّ كلمة أطفأت غضباً ومنعت حرباً، وللّغة مداخل ووسائل شتّى في إشاعة السلم ونشر المحبّة بين أبناء المجتمع الواحد.

فمن ذلك أنّ من يتقن اللّغة واستخدامها يتقن تبعاً لذلك التواصل مع من حوله بيسر ووضوح ويعفيه من إساءة فهم الآخرين له، على العكس من الأشخاص الذين لا يحسنون استخدام اللّغة وفهم مفرداتها وعباراتها ومقاصدها، فإنّ هؤلاء لا يجيدون التعبير عن أنفسهم ممّا يتسبّب في إساءة فهمهم وربّما في ضياع شيء من حقوقهم أو حقوق من يتعاملون معهم فتنشأ عن ذلك نزاعات وخصومات وتوتّرات داخل المجتمع، وهم بعدم تمكّنهم من اللّغة قد يسيئون إدراك مقاصد غيرهم فينتج عن ذلك نزاعات وخصومات وسوء فهم.

ومن جهة أخرى فإنّ العبارات والمفردات التي يستخدمها الأفراد في تعاملهم بعضهم مع بعض هي التي تحدّد ردّات فعلهم، فإن كانت عبارات فظّة خشنة أو جارحة أو صادمة أو غير مهذّبة فإنّها تتسبّب في نفور من تخاطبه، وربّما تستفزّه وتستدعي ردّة فعلٍ سلبيّة منه، وإذا كانت تلك العبارات هادئة عذبة جميلة ومنتقاة فإنها تترك أثراً طيباً لدى المخاطب وتهدئ نفسه وتجعل ردّة فعله هادئة، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: «فبما رحمةٍ من الله لنتَ لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفِرْ لهم» (159 آل عمران).

ولذلك فإنّ اختيار الشخص لعباراته بحيث تترك أثراً طيباً في المتلقّي أو المتلقين ممّا يسهم في إشاعة المودّة والاحترام المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد. ومن ينظر إلى المجتمعات المستقرّة التي ينصرف أبناؤها إلى العمل والإنتاج يجد أنها مجتمعات تشيع بين أبنائها عبارات الملاطفة والمجاملة في التعامل اليومي، بينما يشيع في المجتمعات التي ينتشر فيها العنف والتوتر والاضطراب النزوع إلى العبارات الخالية من التهذيب واللطف والاحترام. ويلاحظ أيضاً أن نبرات الحديث والحوار وتبادل التحيات في المجتمعات المستقرّة هي نبرات هادئة تعكس التواضع والتهذيب، بينما نبرة أبناء المجتمعات المتوترة والمضطربة هي نبرات عالية وصاخبة تبدو كأنّها شتائم حتّى لو كانت العبارات إيجابيّة.

ولذلك، فإن الحرص على اختيار العبارات اللطيفة والمهذّبة وذوات الوقع الإيجابي في الأسماع وفي النفوس، هو ممّا يؤدّي إلى تحقيق الوئام والمحبّة بين النّاس، وأن يصاحب ذلك شيء من الحرص على خفض نبرات الصوت، فضلاً عن ذلك يكسب الشخص المتحدث المزيد من الاحترام والتقدير ممّن حوله.

وممّا يلفت النظر في بعض المجتمعات المستقرّة أنّك إذا دُسْتَ على قدم أحدهم بالخطأ تجده هو يعتذر لك وكأنّه هو الذي داس على قدمك.

إنّ استخدام العبارات الأنيقة المهذّبة واللطيفة يحتاج إلى التمرّس باللّغة ودراستها، كما يحتاج إلى إرادة في استخدام هذه العبارات، وهي أمورٌ لا تكلّف صاحبها أيّ جهد أو خسارة، بل تضمن له الأمن والسلام والاحترام دون أي كلفة، كما أنّ عبارات مثل: عفواً، وشكراً، ولو سمحت، لا تكلّف قائلها شيئاً على الإطلاق مقابل ما تحققه له من الاحترام وتحقيق المطالب والمساعي وتقدير الآخرين له.

salahjarrar@hotmail.com