اللهب الذي التهم سقف كاتدرائية نوتردام وبرجها المدبب العالي أشعل الذاكرة وأعادني إلى يوم باريسي ربيعي لطيف معتدل قبل 35 عاماً، عندما زرت هذا المعلم الفرنسي الروحي الحضاري التاريخي المدهش.

في صحن الكاتدرائية وأروقتها تجولت، ثم صعدت فوق الدرجات الحلزونية مثل عصفور متوتر غمرته أجواء الكاتدرائية الساحرة بجمالها وكبريائها. الجدران مزينة بالتماثيل واللوحات التي تتماهى مع النوافذ الزجاجية الزاهية الطافحة بالزخارف الملونة والرسوم المستوحاة من قصص الانجيل والقديسين. هذا الجمال يدرك بالبصر والحس لتناغمه في الشكل والتكوين نتيجة المزج بين الاشعة الخارجية والضوء الداخلي.

كاتدرائية نوتردام مهمة لفرنسا والانسانية، وقيمتها لا تحددها الصفة الدينية أو الطقوس الكنسية، فهي قطعة من حضارة وتاريخ وروح فرنسا، التي لم تخرج من صدمة الاحتراق حتى اليوم، وفيها تم الاحتفال بتحرير باريس والانتصار على النازية. هذه التحفة الفنية التاريخية تعرضت للترميم اكثر من مرة نتيجة تعرضها لغزوات الغوغاء والسطو على كنوزها واهمها ما حدث خلال الثورة الفرنسية.

صعدت الدرجات الى الطبقات العليا فشاهدت القوائم والعوارض الخشبية الضخمة التي تحمل بصمات الزمن ورائحة التاريخ، وفوقها الابراج والاجراس العشرة التي كانت ساكنة، الا انها أحيت في ذاكرتي حكاية كوازيمودو» قارع الأجراس «وبطل رواية فكتور هوغو «أحدب نوتردام» والذي مثّل دوره في الفيلم انطوني كوين «الحدب» وحبيبته الغجرية ازميرالدا. الروائي الفرنسي الكبير هوغو نجح في أنسنة هذا الموقع الروحي التاريخي واعطى الكاتدرائية قيمة ثقافية، عندما جعلها مسرحا لأحداث روايته المشهورة.

لذلك كان الحزن الفرنسي كبيرا بحجم الكارثة، لأن كاتدرائية نوتردام رمز ومعلم فرنسي له ذاكرة تاريخية وروحية. الكاتدرائية بنيت في منتصف القرن الرابع عشر، أي في بدايات عصر النهضة المبكر والذي انطلق من فلورنسا في ايطاليا. في تلك الحقبة كان الفن المعماري حرفة او مهنة لا علاقة لها بالهندسة، لذلك واجه المعماريون صعوبات عديدة عندما حاولوا بناء كاتدرائية فلورنسا بقبتها الدائرية، الى ان استعان المعماري سكانيللي بصديقه الاستاذ الجامعي بياجيو دا بارما الذي درس نظريات عالم البصريات العربي الحسن بن الهيثم والذي توصل الى نظرية «المنظور الهندسي» بحيث اصبح من الممكن رسم مسقط هندسي ثلاثي الأبعاد لتصميم المباني العملاقة ومنها الكاتدرائيات.

كاتدرائية نوتردام هي أيقونة الكاتدرائيات، لذلك كان هذا التعاطف والدعم الدوليين مع فرنسا المحزونة لخسارتها بعض المساحة من تاريخها وحضارتها وتراثها وثقافتها وروحها، ولكن اتمنى ان لا يكون هذا التعاطف الدولي انتقائياً، لأن قبل نصف قرن قام صهيوني حاقد بمحاولة لاحراق المسجد الأقصى، وأصاب بالضرر منبر صلاح الدين التاريخي الحضاري، وما زال التهديد قائما، لذلك نحتاج الى وقفة جادة تضامنا مع الأقصى المنتهك يومياً من المستوطنين والمهدد بالانهيار نتيجة الحفريات التي ينفذها المحتلون.