منذ توقف الحرب الباردة على اثر تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار سور برلين وما تلاه من اعادة إحياء منظمة التجارة العالمية لتحل محل الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة الدولية، والعالم يشهد تطورات هامة في الساحة الاقتصادية، هذه التطورات القت بظلالها على مفاهيم معينة خاصة في موضوع فلسفة الضرائب المباشرة والرسوم، فقبل عام (1990) اي قبل قيام منظمة التجارة العالمية كانت ادبيات المالية العامة واضحة في التفريق ما بين أنواع الضرائب وايضا بين الضرائب والرسوم، فكان هناك ضرائب مباشرة مثل ضريبة الدخل تحمل أبعادا إقتصادية اجتماعية مالية جنبا الى جنب مع الضرائب غير المباشرة والتي تميزت في ان العبء الضريبي لهذه الضرائب ينعكس على الحلقة النهائية للاستهلاك وبالتالي من يقوم بدفع الضريبة هو ليس من يتحمل عبئها، ولما كان التوجه الاقتصادي بعد عام 1990 هو ارساء قواعد الانفتاح والتدويل والعولمة والدخول في مرحلة التخاصية وتوسيع مساحة القطاع الخاص على الساحة الاقتصادية في مقابل انحسار مساحة القطاع العام وانسحابه تقريبا من الساحة الاقتصادية، نقول ان انفتاح الاسواق في الدول النامية على الاقتصاد العالمي وتغيير بنية الاقتصاد ذاته لصالح المبادرة الفردية والقطاع الخاص قد الغى الفوارق الحقيقية بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة، ذلك ان الضرائب المباشرة في ظل سيطرة القطاع الخاص تكون قد دخلت هي ذاتها معادلة ان العبئ المالي لهذه الضريبة يمكن أن ينعكس، وبالتالي فان فلسفة الضريبة المباشرة في انها ذراع اجتماعي اصلاحي قبل ان تكون دراعا ماليا قد تغيرت وبات الهدف المالي هو الطاغي في هذه الضرائب الامر الذي استوجب على السياسات المالية أن تتبنى سياسات اجتماعية تعوض فيه ضعف الهدف الاجتماعي للضريبة المباشرة، من هنا ذابت التفرقة بين الضرائب ولم نعد نسمع به لانتفاء التمايز الحقيقي بين هذه الضرائب.

وبالمقابل فانه بالمقابل انسحب المنطق ذاته مع الفارق في طبيعة الرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة ليعتبر ان الرسوم الجمركية هي ضرائب، والواقع ان ادبيات المالية العامة هنا ايضا فرقت ما بين الضريبة والرسم وقالت ان ما بين الضريبة والرسم هو ما بين الواجب والمنفعة، فالضريبة في بعدها الفلسفي هي في النهاية واجب بينما الرسم هو لقاء منفعة،ومن هنا فاذا كانت الضرائب المباشرة و الضرائب غير المباشرة قد تضاءلت الفوارق فيما بينها فان التميز بين الضرائب الجمركية والرسم الجمركي امر لازالت له وجاهته وان كان اثره

الاقتصادي والاجتماعي واحد ولا تؤثر التسمية على وظيفة الضريبة او على الابعاد والاهداف التي تتوخى الى تحقيقها، من هنا نقول انه كلما اتسعت درجة الانفتاح الاقتصادي وكلما ازدادت سيطرة القطاع الخاص على الساحة الاقتصادية كلما ذابت فيه الفوارق بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة وبالتالي استدعى الامر ان يصار الى وضع سياسات اجتماعية تحقق الاهداف التي انسحبت عنها الضرائب المباشرة.

رئيس غرفة التجارة الدولية