يروي د. موفق كاتبي في مذكراته «حي المحطة في عمان» عن فترة الأربعينيات والخمسينيات ما يلي:

تعرفنا نحن الاصدقاء في حي المحطة بعمان على ثلاثة شباب من جيلنا, كانوا غرباء عنا، فاذا هم من معان: محمد عبدالدايم, وعقيل مطر, واحمد العقايلة.

احمد العقايلة

احمد العقايلة لم نكن نعرفه من قبل وكان هادئا دائم الابتسامة, قليل المناقشة، وهو الاستاذ المربي الكبير والسفير والسياسي والوزير وعضو مجلس الاعيان، وهو رجل دولة كثيرالانجاز قليل التحدث عن نفسه, يعمل دون ضجيج عاملاً بمبدأ لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.

وعن موقف طريف في حي المحطة يقول د. موفق: كان احمد العقايلة من رواد جامع صلاح الدين, وكنا بعد صلاة الجمعة نسلم على بعضنا ونقول: تقبل الله طاعاتكم، واذا كان هناك قصة ما... او احد يحتاج الى مساعدة مادية او طبية كنا نقوم بعمل اللازم.

وقد تألمنا عندما أحيل العقايلة الى التقاعد وهو ما زال في سن العطاء. وفي احد الجمع كان رئيس الوزراء آنذاك قد كُلف رسميا بتشكيل الوزارة، وبعد ان خرجنا من الصلاة كعادتنا، وقف معنا احمد العقايلة بحديثه الحلو وابتسامته المعتادة، فقلت له: هل طلبوك لتكون وزيراً !! فقال: لا، فقلت له: الآن ساعة إجابة.. فسأدعو لك الله ان يلهم رئيس الوزراء ليستدعيك لتصبح وزيراً في احدى الوزارات!! فضحك، فقلت لمن يقف معنا: ادعو لأخينا احمد العقايلة ان نراه غدا وزيرا.. ثم قلنا اللهم اجعله وزيرا يا رب استجب دعانا، ونحن نمزح ونضحك.

واذا بتشكيل الوزارة في اليوم التالي وقد أذيع اسم الوزير احمد العقايلة!! فذهبت اليه مهنئا.. فقال: إن الله استجاب لدعوتكم، وهو يبتسم. وكنا فرحين لأنه كان قد أحيل الى التقاعد دون مبرر عندما كان محافظاً للسلط قبل ذلك.

محمد عبدالدايم

والشاب الآخر هو محمد عبد الدايم الذي أتى ضيفا الى عمه مأمور قطار المحطة مفلح عبدالدايم، ويبدو انه كان يأتي ليتقدم الى مدرسة المرشحين لضباط الجيش, حيث كانوا يقبلون المرشح من الصف السابع الى التوجيهي، وفعلا نجح في الفحص المقرر ورأيناه فيما بعد أحد ضباط الجيش العربي، وكان جميل الطلعة دائم الابتسام, أما أخي الاكبر نذير فكان يدعوه لشرب الشاي في بيتنا احيانا، وأذكر أننا عندما كنا نتجمع في مجموعة صغيرة من الطلاب الكبار كان يسألنا اسئلة غير مألوفة!! فمثلا كان يسألنا: ماذا يفعل «الحرذون» عندما يهز رأسه خافضا رافعا؟! فنقول: لا نعرف. فيجيبنا انه يصلي، فقد كان الحرذون مألوفا للمسافرين في القطار الى معان، اذ يختبئ بين الاحجار حول عمود الهاتف, فيخرج من مخبئه عندما يسمع هدير القطار, ويقف على صخرة مرتفعة يرفع رأسه ثم يخفضه!! وكانت اعمدة الهاتف ممتدة من دمشق الى معان، وكان المسافرون يحفظون قصة الاعرابي الذي طلب من الرسول الكريم ان يأتي بشاهد على انه رسول الله!! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للاعرابي: اختر من تريد لنسأله.. وبالصدفة كان هناك حرذون كبير يقف قريبا من الاعرابي.. فقال الاعرابي اذا شهد هذا الحرذون فانا أسلِم، فقيل إن الرسول الكريم قال للاعرابي: اسأله فقال الاعرابي للحرذون: هل هذا رسول الله؟ وبالصدفة خفض الحرذون رأسه, ففهم الاعرابي انه قال نعم.. فقال اذن انا اسلم.

فهذه القصة وقصة الغزالة التي تبحث عن اولادها بسؤال الرسول الكريم كنا نسمعها من المشايخ اثناء «تهاليلهم» في بعض المناسبات!! وكان الاطفال الذين ألِفوا الحرذون ينادونه قائلين: «صلي صلاتك يا حرذون امك وابوك بالطابون»..وذلك اشارة الى حركات رأسه وكأنه يصلي، ولدم الحرذون قصة عند الطلاب الكسالى!! اذ يقال إن الطالب الكسلان يفرك يديه بدم الحرذون فلا يتألم اثناء معاقبته بالضرب على يديه من «خيرزانة» الاستاذ، اذ كان من استكمال الأستذة ان يحمل الاستاذ عصاً من الخيرزان ويعاقب بشدة بالضرب على اليدين.

وقد اصبح محمد عبدالدايم قائدا للمدفعية ثم رئيسا للاركان، وكان على خلق كريم ودين قويم, أحبه جميع من عرفه من الطفولة الى القيادة، وبعد تقاعده في عمان كان من رجالات الخير واختص باصلاح ذات البين، وكان حضوره في الجاهات مألوفا على اختلاف انواعها، وأذكر انه كان يقبل يد ابي عندما يراه في الطريق حتى وهو في عز جاهِهِ.

يوسف العظم

اما الثالث فقد رأيته لاول مرة عندما زارني في منزلي برفقة اديب عقيل مطر، وعرفني عليه بأنه «يوسف هويمل العظم» وقد طلب مني العظم بعض الكتب لأنه بصدد تأسيس مكتبة عامة في مدينة معان، فاعجبني حديثه ونشاطه, وطبعا كانت الضيافة المألوفة كأسا من الشاي، فزودته ببعض الكتب وأخرى قرأتها لتكون هدية متواضعة الى مكتبة معان، ثم بعد ذلك صار يوسف العظم مألوفا لنا إذ درس المرحلة الثانوية في عمان.

وكان يوسف العظم - وكنا نناديه بالاخ يوسف قبل ان يصبح أستاذاً - متحدثا بارعا يدخل اي حلقة من تحلقات الطلاب ويناقش في الادب والدين والسياسة.

وبقي يوسف العظم في حي المحطة مدة من الزمن ثم لم نعد نراه!! فقد انتقل الى حي اخر او مدينة اخرى، واصبح يوسف فيما بعد الشاعر الاديب والمدرس والسياسي الملتزم والعضو في البرلمان ومدير مدارس الاقصى والداعية المعروف عالميا، واخيرا وزيرا للشؤون الاجتماعية وهي وزارة التنمية الاجتماعية، وينطبق عليه نص الآية الكريمة (ووجدك عائلاً فأغنى)، وقد قاسمته زوجته ام جهاد كل ما قاساه, وله من الاولاد والبنات ما يثلج صدر المؤمن.

أذكر قصة طريفة وانا طبيب في نهاية الخمسينيات او اول الستينيات فقد جاءني رجل وقال لي: ان الاستاذ يوسف العظم مريض جدا وهو ملاحق ومتوارٍ عن الانظار ويحتاج الى رعاية طبية جيدة فهل نذهب معا لعلاجه فقد طلبك أنت بالذات.

فأجبت بالقبول والرضا - سيما وهو من معارف مرحلة الصبا التي ترسخ في الوجدان - فأنا طبيب أعالج الصديق والعدو. فقال لي محدثي: يجب ان لا تذهب بسيارتك!! بل تقف بالمكان الفلاني وتأتي سيارة لونها كذا تأخذك الى مكانه في الساعة الفلانية, كما هي عادة المتواري عن الانظار.

وكنت مستعدا وهيأت الحقيبة الطبية بكل ما يلزم وكل ما أتوقع من العلاج، وقبل الموعد المقرر بنصف ساعة جاءني رجل آخر وقال لي: ان الاستاذ يوسف غيّر مكانه ولن نستطيع الذهاب اليه!! وقد حدث ذلك وانا لست منتميا الى جماعة الاخوان المسلمين.