أبواب - وليد سليمان

الدكتور محمود السمرة الذي تولى منصب وزير الثقافة الاردنية في الأعوام (1991- 1993) وقبل ذلك رئيساً للجامعة الأردنية (1989 - 1991) هو ناقد أدبي معروف؛ كان قد انتمى إلى نخبة أكاديمية وثقافية أكملت دراساتها العليا في خمسينيات القرن الماضي, تلك النخبة التي آمنت أن الدولة الحديثة يُنشئها «مجتمع العلم» الذي يُشيّد المؤسسات التعليمية والثقافية الأولى في البلاد.

و الراحل د. السمرة حصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من «جامعة القاهرة» عام 1950، لينتقل بعدها للعمل مدرّساً في الكويت، ومنها إلى لندن حيث حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من «معهد الدراسات الشرقية والأفريقية» عام 1958.

بعد ذلك يعود السمرة الى دولة الكويت ليؤسس مع الكاتب المصري الراحل أحمد زكي مجلة «العربي» ويشغل نائب رئيس تحريرها في الفترة (1958- 1964).

ومن المعروف قديماً ان مجلة العربي الكويتية كانت المجلة الشهرية الرائدة التي تستهوى مطالعتها معظم القُراء في مطلع كل شهرٍ في الاردن، تلك المجلة التي كان ثمنها 10 قروش فقط!! لأن الهدف من أصدارها ليس مادياُ!! فقد حرصت الكويت على نشر الثقافة العربية بين القراء العرب في كل أرجاء الوطن العربي.

وفي العام 1964 عاد الدكتور السمرة إلى عمّان ليلتحق بــِ«الجامعة الأردنية» التي تأسّست في العام 1962، ليساهم مع أربعة رفاق هم: ناصر الدين الأسد وعبد الرحمن ياغي وعبد الكريم خليفة وهاشم ياغي في إنشاء أول كلية جامعية تدرّس الآداب واللغات في الجامعة الاردنية.

وهنا لابد من ان نذكر بالخير تلك العقول المتنورة مثل الدكتور عبد الرحمن و أخيه هاشم ياغي ومحمود السمرة ومعهم بعض المثقفين والكُتَّاب الذين كانوا النواة التأسيسية لرابطة الكُتَّاب الاردنيين في عمان في العام 1974.

نظام الساعات المعتمدة!

وسيرد المثقف الكبير د. السمرة عن أجواء التحاقه بالعمل بالجامعة الاردنية - من خلال سيرته الذاتية «إيقاع المدىما يلي:

بمجيء الدكتور عبدالسلام المجالي حدث التغيير الأهم في مسيرة الجامعة الاردنية، وهو الانتقال من النظام السنوي في التدريس، الى النظام الجامعي الأميركي، نظام الساعات المعتمدة. لقد كان الانتقال سريعاً. فهذا النظام الأميركي يقوم على مبدأ التفاعل النشط بين الأستاذ وطلبته، والحوار، والمناقشة. ومعنى هذا أنه يتطلب توفير عدد كبير من أعضاء الهيئة التدريسية، لكي يدرِّس الواحد منهم عدداً محدوداً من الطلبة. فكيف يتم التفاعل وعدد الطلبة في المواد التخصصية الآن يصل أحياناً إلى أكثر من هذا بكثير؟!.

ولقد كانت الجامعة الاردنية هي اول جامعة عربية في العالم العربي تأخذ بنظام الساعات المعتمدة، وعنها اخذت الجامعات العربية هذا النظام، وأصبحت الجامعة الأردنية مزاراً للمسؤولين في الجامعات العربية الأخرى.. وكما نشطت الجامعة في إنشاء الكليات، نشطت ايضا في انشاء الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه.

الجامعة في أرض البحوث الزراعية

وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان المسافرون الراكبون بتكسيات وباصات اربد وجرش والسلط - وكان مجمع السفريات في العبدلي - لا بد ان يمروا بمحاذاة الجامعة الاردنية لينبهر الركاب, ومنهم طلاب المدارس بهذا المكان الجامعي المليء بالاشجار والغابات الجملية !! مع تمنياتهم ان يلتحقوا بهذه الجامعة بعد انهاء الثانوية العامة.

ويسرد د. السمرة في سيرته الذاتية حول ذلك بقوله:

ومن حسن حظ الجامعة الأردنية انها اتخذت حَرَما لها، هي أرض مركز البحوث الزراعية, التي تقع في الطرف الشمالي لعمان: حرم واسع، شوارعه أُحْسِنَ تنظيمها، خضراء تسرّ الناظرين، اشجار باسقة من الصنوبر,انه حرم جميل هادئ، يعجب من يراه، ويوفر مناخاً مناسباً للتعلم، وقلّ ان تجد جامعة تنعم بمثل هذا الجمال والهدوء.

رئيس جامعة ومُدرِّس!

والدكتور السمرة كان يحب التدريس الجامعي والرقي العقلي لأبناء وطنه الاردن, حتى انه كان يؤمن بالدراسات الجادة التي تتسم بالعمق لكشف الجديد المُغيَّب لتسهم في دفع المعرفة الانسانية الى الأمام.

وحول ذلك يقول د. السمرة:

وعندما التحقت بالجامعة الأردنية، لم يكن يخطر ببالي ان اكون غير استاذ يهتم بطلبته ومحاضراته. ولكن الحظ رسم لي طريقاً آخر، ويبدو انني طاوعته فيما رسم!! إذ بعد أربع سنوات من التحاقي بالجامعة، طلب عميد كلية الآداب الأستاذ الدكتور عبدالكريم غرايبة ممن يحملون رتبة الأستاذية أن يجتمعوا في مكتبه. وطلب منهم أن يختاروا وكيلاً للكلية، على غير سياسة الجامعة التي تعتمد التعيين، وليس الانتخاب. وإذا بالأساتذة يقفون، وكأنهم متفقون، وقالوا:

نريد محموداً وكيلاً للكلية. وقد اعترضت، وكان اعتراضاً صادقاً وصادراً من القلب، إذ لم تكن الإدارة في خاطري، ولكنهم لم يلبثوا أن انسحبوا. ورضخت لقرارهم فكانت البداية التي امتدت من عام 1968 إلى عام 1991، أي ثلاثاً وعشرين سنة من الإدارة الجامعية، وكيلاً لكلية الآداب، فعميداً للكلية، فنائباً لرئيس الجامعة.

ثم رئيساً للجامعة عام 1989، ولكني كنت وأنا رئيس الجامعة، أحمل عبئاً كاملاً من التدريس والإشراف على رسائل طلبة الدراسات العليا، بسبب محبتي للطلبة.

وتعاقب على منصب رئيس الجامعة الأردنية منذ التحاقي بها، في عام 1964، وحتى عام 1989 رؤساء أربعة هم: ناصر الدين الأسد وعبدالكريم خليفة وإسحق الفرحان وعبدالسلام المجالي.

الجامعة بعد القوات المسلحة!

وعن ظروف تسلم د. السمرة رئاسة الجامعة الاردنية عام 1989أشار في مذكراته قائلاً:

اتصل بي رئيس الوزراء الشريف زيد بن شاكر - الأمير زيد فيما بعد - وقال لي: أظن أنه آن الأوان لكي تصبح رئيساً للجامعة الأردنية رسميّاً. وأضاف: إنّ الجامعة الأردنية، في نظر سيدنا، تأتي في الأهمية بعد القوات المسلحة. وأنا أرى أنّ رئاسة الجامعة في بلادنا تتطلب من الرئيس أن يكون واسع الأفق، منفتحاً على الجميع، متفهماً لمشكلات الطلبة، صبوراً صبر أيوب وأكثر، وبخاصة في بداية العام وقبول الطلبة.

مواقف محرجة في الجامعة!

ونقرأ للدكتور السمرة من خلال سيرته أثناء توليه مسؤولياته في الجامعة الاردنية كيف كان يعالج المواقف الصعبة والمحرجة مع الطلاب, مما يدل ذلك عن والوعي الكبير والثقافة الشاملة في الحياة.

ففي موقع آخرعن ذكرياته في الجامعة الاردنية يقول:

إن جميع حملة الثانوية العامة يريدون الالتحاق بالجامعة، وما زلت عاجزاً عن فهم سبب تهافت الطلبة على دراسة مُسْتَقبَلُها بالانضمام الى مواكب العاطلين عن العمل!! ولا أفهم لماذا يظن الطلبة أن رئيس الجامعة هو الذي يقرر قبول الطالب!! أو أنه يستطيع ان يقبل الطالب مهما كان معدله!.

واذكر حادثة مأساوية لا أنساها.. فقد جاءني طالب يريد الالتحاق بالجامعة، ومعدله لا يؤهله!! ولما اخبرته بذلك، ذهب وجاءني في اليوم التالي مُهدّداً بأنني إن لم أقبله سيقتلني، وعندما ذهبت الى البيت اتصل بي وكرر تهديده. وجاءني في صباح اليوم التالي وتكرر الموقف، وادركت انه مريض وبحاجة الى العلاج. وكان قد هدد المسجل العام أيضاً بالقتل. ووافقت على تسجيله بصورة شكلية حتى أجد حلاً لهذه المشكلة.

وبعد يومين أعلموني ان والده قد أطلق عليه الرصاص وقتله عندما حاول الاعتداء عليه. ليت الأب كان متريثاً، وذهب به الى الطبيب المختص!! ومثل هذه المواقف كثيرة ومحرجة. وكنت على يقين بأنني لولا أن تصرفت بهذه الطريقة لكنت أنا الضحية، أو المسجل العام.

وكان قبول الطلبة في الجامعة الاردنية في السنين الاولى لتأسيسها تنافسياً على أساس المعدل في امتحان الثانوية العامة، ولم نكن نكسر هذه القاعدة بتاتاً.

وأذكر أن إحدى الطالبات فُصلت من الجامعة بسبب تدني معدلها.. فالتجأت الى الديوان الملكي تطلب العون للبقاء في الجامعة. واجتمع مجلس الأمناء برئاسة سعيد المفتي وكنت حينها رئيساً للجامعة بالوكالة، فحدَّثْتُ المجتمعين بأن قانون الجامعة لا يسمح للطالبة بالاستمرار في دراستها! وأن إعادتها الى الجامعة ستكون سابقة, وأنه يضع الجامعة في موقف محرج. عند ذلك طلب بهجت التلهوني، وكان حينها رئيساً للديوان الملكي ونائباً لرئيس مجلس الأمناء ترك الأمر له ليتصرف.

ولم تعد الطالبة الى الجامعة بل حصلت على منحة للدراسة في القاهرة. وسارت الأمور على هذا المنوال مدة الزمن، ولم يكن المسؤولون يتدخلون في قبول الطلبة في الجامعة.

قليل الكلام لا يضحك!!

وقبل ان يصبح د. السمرة شخصاً دبلوماسياً «وزيرا» فقد كان شخصية أكاديمية وثقافية.. ومع ذلك كنت تحسبه من السياسيين ورجالات الاردن المهمين.. فقد كان يستقبل أثناء عمله في الجامعة الاردنية مشاهير الشخصيات السياسية.

وحول ذلك يذكرد. السمرة ما يلي:

في موقعي الرسمي في الجامعة الأردنية، استقبلت شخصيات مرموقة جاءوا الى الاردن ضيوفا على الديوان الملكي، لأن الجامعة الاردنية كانت من مفاخر الاردن.

فقد استقبلت السيد «ادوارد هيث» الذي كان رئيس حزب المحافظين في بريطانيا ورئيساً للوزراء، وكان في برنامجه زيارة الجامعة الاردنية وتناول الغداء فيها. وقد اخبرني السفير البريطاني في حديث بيني وبينه، ان السيد هيث لا يتكلم ولا يضحك، فماذا افعل؟!! وزيارته ستمتد لساعات! عندها قررت ان انسى مناصبه هذه، وفي ذهني انه انسان مثلنا، وان اتحدث اليه كما اتحدث الى انسان اعرفه من زمان دون اي تكليف. ونجحت الخطة، وسرعان ما رأيته يضحك مرتاحاً، ويتحدث معي مطولا.

وعندما رجع الى لندن وصلتني منه رسالة من سطور قليلة مطبوعة على الآلة الكاتبة على ورقة من القطع الكبير وقد وقَّع عند اسمه، ولكنه لم يلبث ان اكمل الصفحة بخط يده، وكتب ايضا على الصفحة من الخلف رسالة لطيفة تعبر عن مدى سروره بهذه الزيارة.

وقد زارنا بعده السيد جيمس كلاهان، الذي اصبح رئيس الحزب ورئيس الوزراء بعده، ولم اكن محتاجا معه الى ان امثل الدور الذي مثلته عند زيارة السيد هيث، فقد كان السيد كلاهان مرحا، لا يكف عن الحديث، لاغياً الحواجز بينك وبينه.

ملك وملكة السويد

واستقبلنا في الجامعة ملك وملكة السويد. ففي مدرج كلية الهندسة تحدثت باسهاب عن الجامعة، ونشأتها، وفلسفتها، ودورها في تنمية الاردن.

وكان الامر اللافت للنظر ما عليه ملك السويد من تهذيب، وما عليه الملكة من تواضع، وما يبديه افراد الحاشية من حب لهما.

وقبل سفرهما حضر الى مكتبي السكرتير الخاص للملك، وقدم لي باسم الملك وساماً هو «وسام فارس من الدرجة الاولى» وجعلته الى جانب خمسة اوسمة اردنية حصلت عليها: وسام الاستقلال من الدرجة الاولى، وسام الكوكب من الدرجة الثانية، وسام الكوكب من الدرجة الاولى، وسام التربية الممتاز، وسام الحسين للعطاء المميز من الدرجة الاولى (وقد مُنِحَ لي مرَّتين). اضف الى ذلك «وسام القدس للثقافة» من السيد ياسر عرفات، و«جائزة روفن» من جامعة لندن.

العربي الوحيد لجائزة روفن

وقد كرَّمتني جامعة لندن أيضاً، فانتخبتني عضو شرف فيها. وحتى ذلك التاريخ كنت العربي الوحيد الذي مُنِحَ جائزة روفن. والعربي الوحيد الذي انتخب عضو شرف في (سواس) مع ان ردهاتها دوماً مكتظة بالطلبة العرب، وخريجيها العرب كُثر.

جيمي كارتر رئيس امريكا!

وقابلت السيد جيمي كارتر مرتين، مرة عند زيارته للجامعة الاردنية. ومرة على الغداء في الجمعية العلمية الملكية في عمان وكانت زوجته معه، وذلك في زيارة ثانية. وكنت قريباً منه على مائدته، واستمعت اليه يتحدث. لقد كان سمته على غير سمت من قرأنا عنهم من رؤساء أميركا. كان متواضعاً مهذباً فلم أتعجب لماذا خسر جولته الثانية في الرئاسة الامريكية، وحوله كل اولئك الحيتان!!.

وقد زار الاردن كذلك شاه ايران والامبراطورة فرح، وكان في برنامج الامبراطورة زيارة الجامعة. وتبرعت للمدينة الطبية بما يعرف الآن باسم «مركز فرح» وقد صدر لها في هذا العام (2004) كتاب بالفرنسية، ترجم الى الانجليزية بعنوان (An Enduring Love) (حبٌّ خالد) تدافع فيه عن الشاه وحكمه.

الأميرفيليب زوج ملكة بريطانيا

ولا انسى ثلاثة من ضيوف الأمير الحسن، وهو الأمير الذي يحب الثقافة والمثقفين، ويُقرّبهم منه.

ومن ضيوف الامير الحسن كان الأميرفيليب زوج ملكة بريطانيا.. وكنا خمسة أشخاص دُعينا لتناول الشاي معه في الجمعية العلمية الملكية.

ونحن بالانتظار فإذا بالأمير يحضر مع ضيفه في سيارة فولكس فاجن من الطراز القديم (Beatle)، يسوقها الأمير الحسن، وليس معهما أحد!! فبدا لي الأمير فيليب مليئاً بالحيوية.. وقامته طويلة كيف دخل في هذه السيارة الصغيرة؟!. وكان يتحدث، ويرسل النكتة تلو النكتة. فهل هذا هو زوج ملكة بريطانيا؟! لقد كانت جلسة مريحة. والناس مهما عَلَتْ مناصبهم فانهم أخيراً بشر مثلنا.

والزوار للجامعة من ذوي المناصب العالية كثيرون، ولا مجال لاحصائهم ولكني لا احب أن انسى الاشارة الى رئيس الجمهورية الذي تخلى عن الرئاسة طوعاً، ليكون مواطناً عادياً، انه الرئيس السوداني سوار الذهب. انه إنسان بسيط وعادي، تَسْحَرُك بساطته وكان ضيفنا على الغداء.

تجوال حول العالم!

ان السفر والرحلات الى أنحاء الدنيا تزيد الانسان أدراكاَ لما في هذا العالم من جمال وتنوع وزُهد وربما مخاطر.. إذ يقول د. السمرة في سيرته الذاتية:

في الواقع ان رئاسة الجامعة لم تكن في خاطري! اذ كنت اجريت كل الحجوزات اللازمة لسفري وزوجتي الى لندن مع وقفة عند عاصمة أوروبية، هي عادةً باريس، او روما، او فيينا.

وكنا قد اعتدنا - أنا وأسرتي - منذ العام 1973 ان نقوم كل صيف بهذه الرحلة. وكانت الاسعار، وبخاصة اسعار الفنادق ترتفع بسرعة مذهلة، فالفندق في لندن الذي كنا ندفع فيه سبعة جنيهات لغرفة مزدوجة سنة 1970، دفعنا في الغرفة نفسها في عام 1988 مئة وعشرين جنيها.

وامتد هذا الارتفاع في الاسعار فشمل كل شيء. ولكن كان يخفف علينا ان الدينار كان سعره مرتفعا، فكان الجنيه الاسترليني نصف دينار، ويساوي الدينار ثلاثة دولارات، بينما يساوي الجنيه الاسترليني الآن 30ر1من الدينار، وربط الدينار بالدولار بسعر ثابت هو 708ر0للدولار.

وفي تلك الفترة زرت البلاد العربية كلها عدة مرات، والبلاد الاوروبية وأميركا والشرق الاقصى، والبلاد التي لم أزرها هي إفريقيا السوداء واستراليا وأميركا اللاتينية.