رمضان اقترب، وأنا أتذكر طفولتي، كان لي وظيفة غاية في الأهمية وهي تذوق ملح الطعام.. تناديني أمي، وتغرف معلقة من الطنجرة، ولا بد أن يلسعني لهيب الطعام، ولا بد أن أكذب وأقول لها: (بدو شوية ملح يمه).. هل كانت المقادير عندي غير محسوبة؟ أم أنني أريد أن أؤكد لها أني متذوق جيد للطعام؟.. لا أعرف!

المشكلة، أن يد الأم حين تمسك الملعقة وتطعمك من طعامها، يصبح كل شيء من يدها مثل طعم السكر.. حتى لو أنك تذوقت العلقم، ولهذا كنت أتوه، وأشعر أن كل شيء جيد.. وأن الطعام لذيذ، وأن الرائحة جميلة... لكني كنت أصر على زيادة الملح، فأمي لم تؤمن بالملح يوماً لأنها.. ارضعتني من حليبها الوطن سكراً... ونسجت من العمر.. عسلاً على شفاهنا...

كان أبي يتهمها دائماً بأن الملح ناقص على الطعام، وأنا كنت أراها تنثر الكثير منه... وكنت أجزم أن الملح في يدها يتحول لسكر.. أو يرفض أن يكون ملحاً... ولا أعرف لماذا بعدها أصبح الزمن مالحاً قليلاً، لا أعرف.. لماذا حتى الهواء الذي تشمه تشعر فيه بطعم الملوحة، ولماذا صارت الأيام... مثل ماء بحر راكد تبخر بفعل الشمس وترك الملح كالرذاذ على التراب؟

رمضان قادم وسيعيد ذكريات أمي، وحين أجلس مع أطفالي على مائدة الإفطار سأحدثهم عن طفولتي، وكيف كانت أمي تطعمنا جميعاً، ولا تغادر الطاولة حتى ينهي أصغرنا الطعام، وكيف كنت أتذوق لها (الصلصة)... وتمسح فمي بمنديلها وتمسح دمعي، إن لسعتني حرارة الحساء... وسأقول لهم: لا تكونوا مثلي حين تكبرون، إياكم.. فأنا رضيت أن يرموا في روحي آلاف الأطنان من ملوحة الحياة.. رضيت بأن ينثروا دربي ملحاً... إياكم أن ترضوا.. أو تقبلوا بأن تكون أيامكم مالحة مثل أيامنا...

رمضان قادم, ورمضان هذا العام... سيغسل الملح من الروح.

Abdelhadi18@yahoo.com