كتب - ناصر الشريدة

وادي الريان، ما أعذبك، سحابة خضراء، تجر بجسمها المتعب، على مسافة 4 كيلو مترات شرقا، تتخللها اضواء فضية وذهبية تلامس قناديل نهدية تتدلى من اشجار الرمان المخملية، وسط جبلين يتسابقان نحو السماء لا غالب ولا مغلوب، بانتظار عمائر صامتة ببلدات جديتا وعرجان وراسون، لتلتف بطلتها الجميلة على مياه عيون «البيضاء» و«التنور» وغدير «الباعونية» المتدفقة، لتراقص جميعها صفحات الصخر المتلون بقوس قزح، وطواحين عودة وحسين القديمة التي انتحل جسمهما.

فعلى الرغم من كل الاغراءات والطبيعة الخلابة والاستقرار الامني والاقتصادي الذي ينعم به وادي الريان، وتعتاش على وارداته المالية نحو 500 أسرة، الا ان طفرة انتقاله الى أيقونة سياحية تحلق في سماء الاردن والعالم ما زالت بعيدة المنال، لغياب بنية تحتية قوية.

وحسب باحثين، ان الحكومات المتعاقبة غيبت ارتباط الوادي بالتاريخ والجغرافيا، وقفزت عن تأهيله بالبنية التحتية الشاملة، وترويجه سياحيا، بالاشارة الى زيارة الملك المؤسس عبدالله الاول له في اربعينيات القرن الماضي، وحادثة تغيير اسمه من وادي اليابس الى الريان، حين سأل مرافقيه عن اسم الوادي، فاجابوه انه وادي اليابس فرد عليهم «ما هذا بيابس ! بل هو ريان.

ويصف مدير عام زراعة محافظة اربد المهندس علي ابو نقطة الوادي «بسلة الفاكهة وسلة التشغيل» لو قدر له ان يكون، حيث امتاز باشجار الرمان والعنب والتين على مساحة نحو (400) دونم، يتقاسمها مجرى سيل مياه دائم الجريان.

ويؤكد ابو نقطة، ان وزارة الزراعة انفقت على تبطين الجزء الاكبر من قناة الوادي الرئيسة نحو نصف مليون دينار، ولا زال البحث جاريا عن تمويل لاكمال المشروع، في حين ان المركز الوطني للبحث والارشاد لم يبخل يوما في تقديم مساعدته العلمية واللوجستية للمزارعين.

ويقول امين سر جمعية وادي جديتا التعاونية عبدالمجيد خطاطبة، ان الوادي وما زال يعاني من تهالك البنية التحتية وسوء الخدمات المقدمة للمزارعين والزوار، واستمرار التجاهل الحكومي في تحويل الفكر السياحي والزراعي السائد الى صناعة، بدليل اننا لا زلنا محرومين من ابسط مقومات التطوير الا وهي خدمة الربط بالتيار الكهربائي او منحنا مشاريع الطاقة البديلة.

وحسب الناشط السياحي محي الدين ملحم، لا توجد عقلية سياحية، ولا اشخاص مؤهلون لتطوير الخدمات السياحية والزراعية تليق بموقع الوادي، وبذات الوقت تخلق فرص عمل لمئات من شباب بلدة جديتا التي يتجاوز عدد سكانها (22) الف نسمة، وهذا أمر ادى الى تفاقم البطالة والفقر بين الاهالي.

وتصر ادارة فلس الريف/ وزارة الطاقة والثروة المعدنية من خلال مدير اربد الدكتور رائد جرادات، على تطبيق شروط وتعليمات الوزارة بتوصيل خدمة الكهرباء لاهالي الريان من خلال وجود ابنية حديثة بعدد لا يقل عن (15) منزلا، وتطالبهم بشوارع مرسمة، دون الاخذ بالاعتبار طبيعة وميزة الوادي السياحية والزراعية.

وكان وادي الريان، المعروف «بوادي اليابس» مطلع القرن العشرين محط إقامة الشعراء، ولعب دورا في تشكيل تاريخ المنطقة مطلع القرن الماضي، حيث كان لشاعر الاردن الكبير مصطفى التل، الملقّب بـ «عرار» دورا في تجسيد اسم الوادي في اشعاره، حين كان يتردد عليه باستمرار ويقيم فيه اياما وليالي، حتى انه من كثرة حبه وشغفه به، اطلق على احد دواوين شعره «عشيات وادي اليابس».

ويقول الفنان التشكيلي صالح الربابعة، ان الوادي ارتبط بالثقافة والفن، وكان يجتذب الشعراء والفنانين التشكيليين، الذين كانوا يرون فيه المهم يفجر قريحتهم الفكرية والفنية، الا ان هذه الاضاءة بدأت تتلاشى مع مرور الايام، رغم انه يسعى «حسب قوله» باستمرار لتصوير اعماله ولوحاته التلفزيونية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي على ضفاف الوادي، ليبقيه خالدا في ذاكرة الاجيال، متمنيا ان يرى اليوم الذي تقام بالوادي المعارض الزراعية والسياحية والفنية المختلفة.

ويغُص وادي الريان بزواره في فصلي الربيع والصيف، حيث انك لم تعد تقدر على تحمل كثافة عدد زواره، وسط غياب اماكن للجلوس، والاستمتاع بالطبيعة، فالوقوف على جانب الشارع الذي يتوسطه يسبب ازدحاما مروريا لا تستطيع الانفلات منه بسهوله.

الا ان مديرة سياحة محافظة اربد الدكتورة مشاعل خصاونه، ترى في ما تقوم به وزارة السياحة ولو جاء متأخرا، بداية تأهيل بنية الوادي التحتية وتسويقه سياحيا، حيث يجري العمل على تطوير طاحونة عودة التراثية باضافة مواقف للسيارات ومرافق صحية واكشاك بيع صغيرة.

ويقول رئيس جمعية جديتا الخيرية يحيى بني ملحم، لم تغيب منظمة ميرسي كور منذ سبعينيات القرن الماضي، عن مساعدة مزارعي الوادي بمشاريع تطوير انظمة الري في بساتين الرمان، من اجل تخفيف نسبة الفاقد، وكان المزارعون يجدون في هذا الدعم فائدة لهم على مستوى زيادة انتاجهم ودخلهم المادي وتشغيل ابنائهم، املا في الانتقال الى مفهوم زراعة التصنيع.

وثمن المزارع محمد عبدالرحمن عجاج، توجهات وزارة الزراعة بتبطين اجزاء كبيرة من مجرى الوادي، الا انه يعدها خطوة غير كافية للانتقال التدريجي لصناعة السياحة والزراعة، لا سيما ان ظروف اليوم غير الامس، والجميع يبحث عن عمل ودخل مادي يضاهي متطلبات العصر، مطالبا وزارة التخطيط اقامة مصنع لدبس الرمان بالوادي.

ويتذكر الخطاطبة قبل 15 عاما، طلب السوق الاوروبية المشتركة من وزارة الزراعة، تصدير نحو (20) طنا من منتوجات رمان وادي الريان تحديدا لهم دون غيره، بسبب تميزه ولذة طعمه، التي ترجع الى ان في الوادي بساتين يطلق عليها «بساتين المشاميس والمصاقيع» وانها لا ترى اشعة الشمس الا بحدود ثلاث ساعات يوميا، تفرضها عليها تضاريس منطقتها المحاطة بالجبال، ما يجعل لُب حبات الرمان يتحول الى طعم لذيذ بدون بزر.

وشهد الوادي في بداية عام 2015، سياحة المغامرات «التسلق والانزال»، حيث تبنى ابن جديتا الناشط بركات ظاظا التوجه، باستغلال مساحة بستانه لهذه الغاية، فاقام بناء شاهقا بمواصفات التسلق والانزال وبجانبه بركة للسباحة، اضافة الى كافيه صغير، وساحات طعام، واستقطب بها الزوار من كل مكان.

ويخرج المستثمر مشهور بني مفرج بمقولة «اذا شعرت بالجمال فانت بالريان، واذا نمت بهدوء ودفء، فتأكد انك بين اكناف الريان، واذا اكلت وشربت، فكانك تعيش لحظات زمان اول، وان جالست من تحب، فسوف تجد نفسك انك تحيا من جديد»، لكنه يصمت ويقول ما دمنا هكذا اين وزارات التخطيط والسياحة والاشغال والزراعة منا، اما آن الاوان لخلق واقع جديد تتوفر فيه كل متطلب صناعة السياحة والزراعة.

ربما تجد صدى لكل هذه التفاصيل في الوادي، وتحس وتتلمس مطالب ساكنيه ورواده، لكنك تقف صامتا امام سؤال يساور نفسك، اين الاستثمارات؟ واين.. واين.. فلو وجدت الاجابة، لرأيت الوادي خلية نحل لا تنام .