كتب - محمد الخصاونة

لا يمكن الفصل بين التحديات بشقيها: السياسي، والاقتصادي، فكلاهما مؤثر في الآخر. لذلك ليس غريبا أن يكون من متلازمة الحديث عن ضرورة دعم الفرص الاقتصادية والاستثمارية، البحث دائما في أثر المتغير السياسي وتحدياته على العلاقات الاقتصادية، أو العكس.

في القمة الثلاثية (الأردنية، القبرصية، اليونانية)، كان الارتباط وثيقا بين المحورين الاقتصادي والسياسي، بل إن عقد منتدى الأعمال للدول الثلاث على هامش القمة، والملتقى البرلماني كان واضحا في رسائله بضرورة تنمية العلاقات الاقتصادية الاستثمارية بين الدول الثلاث رغم البيئة الضاغطة السياسية وضرورة عدم الارتهان لها.

عرض الأردن خلال القمة والمنتدى للميزة الاستثمارية لديه، من شركات تتقدم في كفاءتها على شركات نطيرة في دول عربية، وما يملكه من خبرات وطاقات بشرية في قطاعات، كقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الذي يحقق نموا بنسبة 15%، وقطاع الطاقة المتجددة التي بلغ حجم الاستثمار فيها في آخر سنتين نحو 1,5 مليار دينار.

يؤكد الأردن دائما القيمة الأمنية التي يتمتع بها، عند عرض ميزاته التنافسية، خصوصا في خضم إقليم ملتهب. أي أن الاردن هو المنفذ لدول البحر الابيض المتوسط للولوج إلى مشاريع إقليمية، على غرار إعادة إعمار سوريا والمشاركة في الاستثمار في العراق، وهذا ما يفسر مشاركة وزير الخارجية العراقي أمس في لقاء نسقه ونظمه الاردن ضم بالاضافة للعراق، قبرص واليونان.

في اللقاءات الأخيرة، جرى التأكيد على أن من صالح شعوب هذه الدول، وحتى تنجح استثماريا، الاتفاق على قضايا المنطقة السياسية، والتأكيد عليها مجددا في دعم الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، ومحورية الاردن في عملية السلام.

في هذا الصدد، يؤكد سیاسیون أن القمة الثلاثية بين جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس القبرصي نيكوس اناستاسيادس؛ ورئيس وزراء اليونان ألكسيس تسيبراس أعطت للأردن والمنطقة اهتماما أكبر إثر تسارع الاحداث التي تشهدها المنطقة؛ مشيرين إلى أن الرئيسين القبرصي واليوناني متفهمين للجهود الإنسانية التي يقوم بها الأردن؛ وأكدوا على دعمهم لجهود جلالة الملك؛ الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس؛ وفي حماية الأماكن المقدسة والحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي القائم في القدس.

وبينوا خلال حديثهم إلى ($) أن على الشخصيات السياسية والاقتصادية الأردنية؛ خاصة القطاع الخاص البناء على مخرجات القمة الثلاثية؛ ونتائجها الإيجابية واستثمارها بما فيه صالح الأردن وشعبه؛ وليكون التعاون أفضل على جميع المستويات وخاصة القطاعات الاقتصادية؛ بإقامة مشاريع مشتركة تبني على الفرص التجارية المتاحة.

وقالوا إن الأردن واليونان وقبرص حلقة مهمة في استراتيجيات الأمن في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ وقمتهم الثلاثية تأتي ضمن متطلبات استقرار المنطقة التي يدعو لها جلالة الملك عبدالله الثاني؛ وإحلال السلام في فلسطين على أساس حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية التي يصر عليها جلالته؛ فهذه الرؤية المتوافقة بين الزعماء الثلاثة ؛ تشكل خطوة أساسية باتجاه إستقرار المنطقة.

يعتبر الوزير الأسبق أمين عام حزب الإصلاح الدكتور عيد الدحيات القمة الثلاثية خطوة نوعية استراتيجية حققها الأردن مع دول المنطقة؛ خاصة دول حوض البحر المتوسط التي تجمعنا معها علاقات جغرافية وتاريخية وثقافية قديمة وعريقة، مبينا أن القمة تدل على المكانة المرموقة التي يحظى بها وطننا في عالم اليوم؛ وهي بلا شك مكانة رفيعة بكل المقاييس استطاع الملك عبدالله الثاني تحقيقها في زمن صعب تعيشه الأمة العربية وقضيتها الأولى وهي قضية فلسطين.

وأوضح أن الدعم الكبير لسياسات الأردن ولرؤية جلالته وبخاصة ما يتعلق بالوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس؛ أخذ بعدا جديدا ودعما أوروبيا مسيحيا له أهمية كبيرة على الساحة الدولية.

وقال الدحيات إن الأردن حقق عن طريق هذه القمة وما سوف ينبثق عنها من تعاون في مجالات التعليم وتكنولوجيا المعلومات والطاقة والسياحة وغيرها؛ المزيد من تقوية العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي من خلال دولة اليونان ودولة قبرص؛ وهذا كله سوف يترجم على ارض الواقع كاعتراف بدور الأردن المحوري والأساسي على أرض الواقع وبمكانة الأردن المحورية والأساسية على مستوى دول العالم باعتباره واحة أمن واستقرار واعتدال ومصداقية في دول المنطقة.

وبين أن هذا الجهد لم يأت من فراغ؛ ولكنه ثمرة جهد دؤوب استمر سنوات طويلة من التعامل مع بقية الدول والشعوب التي توصلت إلى قناعة أن هذا البلد الصغير بمساحته والكبير بفاعليته وقدراته هو احد أهم اللاعبين على الساحة العالمية.

بدوره أكد الوزير الأسبق الدكتور إبراهيم بدران أن الأردن واليونان وقبرص يشكلون حلقة مهمة في استراتيجيات الأمن والتنمية في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ وتتأثر بحالة الإستقرار بالمنطقة لذلك فإن التقاء الدول الثلاث وبحث موضوع العراق وسوريا وفلسطين يأتي ضمن متطلبات استقرار المنطقة.

وقال إن القيادات الثلاث حريصة على الحفاظ على الأماكن المقدسة خصوصا في القدس، وتأكيد الوصاية الهاشمية إضافة إلى الدور الذي تلعبه الكنيسة الأرثوذكسية بهذا الشأن؛ وانطلاقا من هذه النقطة أو استكمالا لها على الأصح فإن «إحلال السلام في فلسطين على أساس حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية؛ هي الرؤية المتوافقة بين الزعماء الثلاثة؛ تشكل خطوة أساسية باتجاه إستقرار المنطقة».

الملفات المهمة الاخرى كانت حاضرة في القمة، بحسب الدكتور بدران، حيث ركزت على ضرورة عودة سوريا إلى وضعها الطبيعي؛ دولة موحدة تتمتع بالسيادة والسلام؛ من خلال الحل السياسي لأزمتها؛ وكذلك الجهود الدولية التي يجب أن تتركز لمحاربة الإرهاب وإستقرار العراق كدولة فاعلة في المنطقة.

ولفت إلى أن الزعماء الثلاثة أكدوا على موضوع اللاجئين؛ ومسؤولية المجتمع الدولي في إدارة أزمة اللاجئين ومساعدة الأردن؛ لمواجهة الضغوط الناشئة عن وجود مئات الآلاف من اللاجئين بكل ما تشكله من إستنزاف للموارد والمرافق والبنية التحتية

يدعو بدران لضمان التنسيق بين الدول الثلاث والاتفاق على إنشاء أمانة عامة دائمة، يقترح أن يكون مقرها قبرص؛ لتطوير آليات فاعلة للتعاون بين الدول الثلاث؛ إذ أن الفرص المتاحة للمشاريع المشتركة والإستثمارات المتبادلة يجب أن يتم إستغلالها وفق رؤية إستراتيجية وخطوات عملية تحصن الاستثمار وإقامة المشاريع.

في المحصلة، الورقة الأوروبية، وتحديدا دول البحر الابيض المتوسط (قبرص واليونان)، تمثل إحدى الادوات التي يسعى الاردن من خلالها لإنعاش اقتصاده و بالتالي تحصين رؤيته وموقفه السياسي.