كتب: أحمد الطراونة

في الوقت الذي نحتفل فيه بمئوية الدولة الأردنية الحديثة، ما يزال البحث جارياً لاستعادة الأغنية التي كانت تحمل هويتها، بعد أن تخلّت الدولة نفسها ومعها أهل الفن عن هذه الأغنية تحت ذرائع واهية، ليتسع الفراغ وتشيع الفوضى السمعية ويسود تجار الأغنية وأشباه المطربين والشعراء، ويختلط الغث بالسمين وتصبح تنقية المشهد وتخليصه من هذا الغثاء عملية في غاية الصعوبة.

هذا التراجع الذي أصاب الأغنيةَ أردنيةَ اللون والهوية، هو جزء من تدهور الحالة الإبداعية الجمعية والتي انحصرت بالمنجز الفردي، كما إنه مؤشر على التردي الذي أصاب الهيئات المعنية بالمشهد الجامع، فكانت الأغنية إحدى ضحايا هذا المشهد عندما تواطأت عليها مؤسساتٌ في طليعتها الإذاعاتُ التي أسهمت في إنتاج «البائس» وترويجه على أنه «وطني»، في ظل غيابٍ مُدَوٍّ للرقابة المؤسسية والمنهجية النقدية.

ما الحل إذن؟

عبءٌ ثقيل أُلقي على كاهل الوطن جراء ما تقوم به إذاعات «الكسب السريع» وما يقترفه «مطربو الأعراس» و"شعراء الصدفة». وحتى نتخلّص من هذا الوضع لا بد من فتح ملف الأغنية الأردنية، ليس في الإعلام الذي كثيراً ما علّق الجرس ونبّه إلى خطورة ما يجري من تدميرٍ للفن الوطني والأغنية الوطنية، وإنما أيضاً على صعيد الدولة بمجمل مؤسساتها، والتي عليها أن تُعمل مشرطها لتشذيب المشهد وتهذيبه، وهذا لا يكون إلا بقرار جريء وجهد نوعي يتجسّد في إيقاف الدعم الذي تقدمه المؤسسات لـ«الغثاء» الصوتي وللأوبريتات المسماة عنوةً «وطنية» وهي مفرَغة في حقيقة الأمر منها.

وفي هذا السياق، لا بد من الإقرار أن البرامج الإذاعية الصباحية لعبت دوراً أساسياً في تنشئة جيل من الشباب المستَفَزّ والمستنفِر، وشوهت ذائقته السمعية، فأصبحنا نعاني في مدارسنا وجامعاتنا وشوارعنا.

في البال تاريخٌ مشعّ من الإبداع سطرته الأغنية المحلية رغم سطوة الأغاني المصرية واللبنانية والعراقية والخليجية، وفي الوجدان أسماء أصيلة سيّجت فضاءنا الأردني ودافعت عنه بصوتها الذهبي الذي ما نزال نستحضره في ظل غيابٍ موحش لإبداع الكلمة واللحن والصوت.

إن اجتراح الحلول الآنية، على غرار منْح منتِج ذي خبرة أو شاعر قدير أو مطرب مبدع، الفرصة لإنتاج عمل وطني، لا يحلّ المشكلة جذرياً، فالمطلوب مؤتمر يتمخض عنه مشروع وطني للأغنية تقدمه نقابة الفنانين ومعها المعنيون بهذا الفعل، وأن تتوفر الإرادة السياسية والموازنة اللازمة لإعادة الاعتبار لموروثنا الذي سلبه «التجّار»، ونعيد إحياء تراثنا الغنائي بأدوات جديدة دون المساس بروح الأغنية وهويتها وأن ننفض عنه الغبار الذي علق به.

إن التشريع اللازم لصون أسماعنا من هذا العبث الفوضوي أصبح ضرورةً وطنية قصوى، كي نسيطر على ما يُبث من خلال لجان فنية عالية الأداء يتم توظيفها وتوزيعها على المحطات المسموعة والمرئية، لتقييم الكلمة والمعنى واللحن و"فلترة» الأغاني قبل مرورها إلى أسماعنا. وعلينا أيضاً أن نولي الثقة لكوادرنا الفنية ونعيدها لقيادة المشهد بعد أن عاثت به أصابعُ من لا يعرفون موروثنا ولا يجيدون التعامل مع مخزونه الغني.

لقد آن الأوان لقرع الجرس بعد أن غابت مهرجانات الأغنية الملتزمة التي تشجّع التنافس في اللحن والصوت والكلمة، وغاب النقد الفعلي لما ينجَز بعد أن أصبح النقد جريمة يعاقب عليها القانون عند تناوُل أغانٍ تقسّم المقسّم، وتوزِّع الموزَّع، وتزيد العابس عبوساً، وتخلق عدوّاً وهميّاً أصبحنا نبحث عنه في بيوتنا وأماكن عملنا كلما اشتد طَرْق هذه الأصوات على أعصابنا.