أبواب - رزان المجالي

«زيارات عديدة لأقسام الطوارئ ليلا، ولأطباء الباطني نهارا، ومع ذلك لم يتمكن أحد منهم من كشف هوية المرض، فما كان منهم إلا أن استأصلوا مرارتي، لكن الألم لم ينته، فأجروا لي عملية جراحية بعد شهر من العذاب للقنوات المرارية في الأمعاء، ليكتشفوا بعدها أني مصابة بحساسية القمح».

هذا ما روته نائلة محمد (لأبواب -$) عن طول معاناتها مع مرض حساسية القمح، فليس من السهل اكتشاف هذا المرض بسبب تعدد أعراضه، فقد تكون تأخرا في النمو، آلاماً شديدة بمفاصل الركبة، اضطرابات هضمية شديدة وآلاما في البطن وغثيانا وصداعا مستمرا، فقدان للوزن، شعورا دائما بالإرهاق، فقر الدم(...).

نائلة مازالت تتذكر بحزن شديد أن أختها توفيت بذات المرض،عندما كان عمرها سنتين حيث تمكن الأطباء من تشخيصها في آخر أسبوع من حياتها، واللافت أنها كانت تعتمد في غذائها الرئيسي على مسحوق القمح الجاهز، ولم يخطر ببال أي طبيب في حينه أن يجري لها فحصا لهذا المرض مما أدى لتدهور حالتها، فتوفيت.

ويعرّف أخصائي المناعة الدكتور عيسى أبو دية مرض تحسس القمح أو عدم تحمل الجلوتين بأنه:«داء معوي ذو أصول مناعية، إذ يهاجم جهاز المناعة مُركّب الجلوتين الموجود في القمحيات كالخبز والبسكويت وغيرها من مشتقات القمح، إضافة إلى مهاجمة بروتينات أخرى موجودة في حبوب أخرى كالشعير والشوفان ومشتقاتهما الغذائية».

ويشير إلى أن :«هذا الهجوم المناعي يؤدي إلى حصول التهابات مُزمنة في الأمعاء الدقيقة، فتنكمش الخَملات المعوية وينبسط سطح الأمعاء وبالتالي تؤدي إلى فقدانها لقدرتها الوظيفية المميزة على الامتصاص الفعّال للعناصر الغذائية المتنوعة».

ويلفت إلى أنه :«عند بلوغ المريض مرحلة ظهور الأعراض، فإن مريض التحسس من القمحيات يمكن أن يتعرض لواحد أو أكثر من الأعراض التالية: فقدان الوزن، الشعور الدائم بالإرهاق، فقر الدم(...)».

تدني الوعي بمرض حساسية القمح، يتسبب بمعاناة كثير من الأردنيين أطفالا ونساء ورجالا لشهور أو سنوات أجروا خلالها عشرات الفحوصات الطبية المرهقة لهم صحيا وماليا.

ويشير مستشار أمراض الجهاز الهضمي وكبد الأطفال د. عصام الهنداوي إلى:«أهمية زيادة التوعية بهذا المرض، حيث يشبّه هذا النوع من الحساسية بالحرباء، لاتخاذه أشكالا كثيرة وأعراضا متنوعة لا تتشابه لدى المرضى، وتختلف باختلاف العمر، وهذا يجعل من الصعوبة التوصل إلى تشخيصه في أحيان كثيرة».

ويلفت إلى أن :«نقص الوعي والجهل بالمرض يقف وراء تضاعف الأعراض عند كثير من المرضى»، وبحسب د. الهنداوي فإن :«كثيرا منهم يلجأون للطب الشعبي وللبحث عن بدائل علاجية، فعدم الالتزام بالحمية الموصى بها، ينطوي على مضاعفات لا تحمد عقباها على المدى البعيد، فهذا النوع من الحساسية لا علاج له إلا الالتزام بالحمية الغذائية الخالية من مادة الجلوتين».

ويدعو الهنداوي إلى اللجوء لفحص الحساسية عند الإصابة بأي مرض أو مشاكل صحية غير مفسرة، إذ يمكن الإصابة به في أي عمر بعد ستة أشهر وحتى الشيخوخة، فليست الأعراض الجلدية دائما هي الدليل الوحيد على الإصابة بل تتعداها لتؤثر على الكثير من أجهزة الجسم».

وينبه إلى أن :«التوقف عن الحمية للأغذية المحتوية على الجلوتين من الأخطاء التي يقع فيها بعض المرضى، بعد إجراء الفحوصات وتبيان خلو أجسامهم من نسبة الحساسية، ظنا منهم أنهم تشافوا منه، ليفاجأوا بظهورها من جديد وربما بأعراض مختلفة، فالحذر من هذه الناحية، لأن الخطورة عند هؤلاء المرضى تتمثل في تشكل الأورام السرطانية على المدى البعيد».

ويقترح د. الهنداوي على وزارة الصحة إجراء ما يسمى بـ screen test لفحص الحساسية عند الأطفال بعد عمر ستة أشهر أسوة بالدول الأوروبية، وإدراجه ضمن الفحوصات الخاصة للأطفال بالإضافة للتوعية المستمرة خاصة إذا ما أصيب شخص في العائلة به، فهناك ما يسمى «بالحساسية الصامتة»، والتي يمكن أن تظهر أعراضها في وقت متأخر عند أفراد العائلة نفسها، فالاكتشاف المبكر يجنب المريض مضاعفات وآلاما متعددة.

ويوصي د. الهنداوي أيضا بفحص هذه الحساسية، عند انخفاض مستويات فيتامين دال باستمرار وفي حال الإصابة باضطرابات الغدة الدرقية ومرض السكري، حيث ترتفع الاصابة بين مرضى السكري أكثر من غيرهم.

ويعتبر الالتزام بالأغذية الخالية من الجلوتين حاجة قصوى للمريض، وتقول أخصائية التغذية العلاجية مي المومني إن:«تناول الأغذية الخالية من الجلوتين يساعد المريض على تجنب تشنّجات المعدة، وما يرافقها من مشاكل هضمية متعددة تصيب المريض نتيجة حساسية القمح».

ولا تقتصر الحاجة للأغذية الخالية من الجلوتين على مرضى حساسية القمح، وبحسب المومني فإن الأشخاص الذين يعانون من الاضطرابات الهضمية مثل التهاب الامعاء او مرض كرونز والارتجاع المريئي ومرضى التهاب القولون التقرحي، يوصى عادة بتجنبهم قدر الامكان لهذه المادة.

وتضيف أن:«من الأمراض الأخرى التي يزيد وجود الجلوتين حدتها الصرع والتوحد بحيث اثبتت الكثير من الدراسات أن حذفه من الاغذية يساعد في التخفيف من الأعراض والتشنجات المرافقة لها».

غلاء أسعار المنتجات

ولا تتوقف معاناة مصابي حساسية القمح عند ضرورة الالتزام بالحمية الخاصة، إذ ينهكهم غلاء أسعار المنتجات الخالية من الجلوتين، وتذكر رئيسة جمعية رعاية مرضى حساسية وتحسس القمح عابدة القيسي :«الحل الوحيد للبقاء على قيد الحياة إتباع نظام غذائي خال من الجلوتين لكن ارتفاع أسعار هذه المنتجات أثقل كاهلهم ما دفع كثيرا من المرضى إلى تناسي آلامهم وباتت شكواهم من ارتفاع أسعارها أكثر مما يشتكون من المرض نفسه».

وفي المقابل، أصبح مريض حساسية القمح (السلياك) عرضة لاستغلال كثير من التجار سواء المطاعم أو المخابز أو محلات الحلويات، إذ عمد بعضها في الآونة الأخيرة إلى تصنيع وبيع هذه المنتجات دون مراعاة شروط السلامة وضمان عدم احتواء المنتجات على مادة الجلوتين في كثير من الأحيان، مما يعرض حياة المرضى إلى خطر، وهو ما حدث فعليا مع المريضة سهى الحاج بعد تناولها لوجبة في أحد المطاعم بعمان، إذ ظهرت أعراض الحساسية عندها، واضطرت إلى الذهاب لأقرب مستشفى.

ويدعو رئيس جمعية حماية المستهلك الأردنية د. محمد عبيدات الحكومة إلى وضع تشريع دائم فيما يخص المواطنين الذين يحتاجون أغذية خاصة لا يمكن الاستغناء عنها، وتخفيض الضريبة عليها بالدعم وضرورة إصدار تعليمات للمطاعم وإيقاع أشد العقوبات على المستغلين لتلك الفئة.

ويناشد المرضى مؤسسة الغذاء والدواء وأمانة عمان ووزارة الصحة بضرورة تشديد الرقابة على هذه المطاعم والمحلات، ووقف استغلال بعض التجار لهم، ولكن وحتى الآن لا يوجد في المؤسسة العامة للغذاء والدواء أجهزة قادرة على فحص الأغذية الخالية من الجلوتين لمعرفة سلامة تقديمها للمواطن.

مؤسسة الغذاء

وتقول مؤسسة الغذاء والدواء :«تعتبر الأغذية الخالية من الجلوتين من الأغذية الخاصة التي بحاجة إلى موافقة المؤسسة العامة للغذاء والدواء».

وتضيف في تصريح أرسلته إلى «$» أنه :«يشترط في الأغذية الخاصة من قبل لجنة الأغذية، توفير مشغل أو معمل مرخص لهذه الغاية ويتم الكشف والتقييم وأخذ عينات تجريبية من هذه المنتجات للتأكد من صلاحيتها للاستهلاك البشري ومن مطابقتها للمواصفات الخاصة بالمنتج ».

وتوضح بأنه :«يتم متابعة المنتجات المرخصة لهذه الغاية للتأكد من توافر جميع المتطلبات الصحية في المشغل وأخذ عينات روتينية من المنتج المجاز لغايات التيقن من الالتزام بالمواصفات الخاصة بالمنتج».

وتطالب رئيسة جمعية أصدقاء مرضى حساسية القمح سهير عبد القادر وزارة الصحة بإنشاء سجل وطني لهذا المرض أسوة بالأمراض الأخرى، ليتسنى للجمعية المساعدة في توزيع الخدمات بشكل افضل. وتضيف عبد القادر:«هناك مطالبات تبناها مجلس النواب بتوفير الأغذية البديلة للمرضى بأسعار تفضيلية، ولغاية الآن لم يطرأ أي تغيير يذكر».

وتشدد على أنه أمام الغياب الحكومي لدعم هذه الشريحة من المواطنين تبقى الجمعيات الخيرية التي تعنى بهم ملاذهم لتوفير حاجاتهم الأساسية، فالدعم الحكومي وان تحقق فانه سيوفر الرعاية للمرضى وذلك من خلال تبني مساعدات ثابتة ومستمرة للمرضى، أسوة بالدول الأخرى، او من خلال حصولهم على إعفاءات توفر لهم الأغذية الخاصة بيسر.

معاناة مضاعفة

تذكر رئيسة جمعية (حياة) لمرضى التحسس القمحي الخيرية في العقبة فاطمة اليماني أن الأمر في المحافظات يزداد سوءاً، حيث تخلو المخابز من الخبز والمنتجات الخاصة بهؤلاء المرضى، فضلا عن عدم توافر المنتجات الأجنبية لغلاء أسعارها مما يضطر كثيرين إلى زيارة عمان لجلبها أو اللجوء لتصنيع بعضها في المنزل بعد الحصول على الطحين الخاص مما يسبب عبئا إضافيا على ربة المنزل.

ويذكر أحد المرضى أنه:«لا يوجد مطاعم أو محلات تبيع المنتجات الخاليه من الجلوتين في المحافظات، عدا عن غلاء أسعار طحين الأرز أو الذره والخبز، فنقوم بشراء الطحين والخبز من عمان وتصل تكلفة رغيف الخبز إلى نصف دينار، نرجو من أصحاب القرار والحكومه النظر في معاناتنا».

ولا تختلف محافظة إربد عن مثيلاتها من المحافظات، ويشرح أبو خالد معاناته بقوله: «أعاني وأطفالي من شح المواد وغلائها، ولا يوجد جهه داعمة، ولا تتوفر المواد المسموح تناولها بالبيئة المحيطة بنا، وإن توافرت «بالمولات» فتكون أسعارها مرتفعة لا نقوى على شرائها بالإضافة لخلو المخابز منها مما يكلفنا عناء الذهاب للعاصمة والبحث عن منتجات خاليه من الجلوتين».

ويبرر نقيب أصحاب المخابز عبد الاله الحموي غياب توافر هذه المنتجات في مخابز المحافظات بأن عملية استخراج القمح الخالي من الجلوتين تحتاج إلى مطحنة ومعدات خاصة ومكان منفصل عن القمح المحتوي على هذه المادة، وهذا يعد مكلفاً لأصحاب المخابز، فارتفاع كلف الإنتاج بالإضافة لمحدودية أعداد المرضى في المحافظات تقف وراء صعوبة توفير المنتجات الخاصة لهم.

وتعزو الموظفة في إحدى الشركات المستوردة للطحين الخالي من الجلوتين والمنتجات الخاصة الأخرى اسراء وريكات، غلاء الاسعار إلى الضريبة التي تفرضها الحكومة على هذه الأغذية بالإضافة لتكاليف وأجور الاستيراد، مما يجعلها تفوق سعرها الأصلي بأضعاف كبيرة عن بلد المنشأ.

وتقول :تم مخاطبة الحكومات سابقاً من اجل إعفائها من الضريبة والبالغة 16% لكن دون جدوى،حيث يصل كيلو الطحين المستورد سبعة دنانير، أما المنتجات الاخرى مثل المعكرونة فتبدأ من دينارين ونصف أما الحلويات بمختلف أنواعها فتبدأ من ثلاثة دنانير حتى تصل لـ 12 دينارا، وهذا بالتأكيد يعد سعرا أصليا يضاف إليه نسبة ربح إضافية من قبل المتاجر التي تبيع هذه المنتجات...

جمعيات خيرية

تذكر رئيسة جمعية تحسس القمح عابدة القيسي أن الجمعية تعمل على توفير طرود شبه شهرية للمرضى المسجلين من خلال المتبرعين. وتأمل بأن يكون الدعم لهم من خلال الحكومة، كما أنها تقدم دعما من خلال توفير خصومات من قبل بعض المحلات التجارية سواء للمنتجات الغذائية. وكذلك الحال بالنسبة لجمعية الحياة في العقبة حيث تعمل على التوعية بهذا المرض على مستوى المجتمع المحلي والتواصل معهم، وتوفير مواد أولية للمرضى بسعر التكلفة، إلا أن هذه المبادرات تأتي من خلال التبرعات الخيرية من الناس، ومن المبادرات والمشاريع التي قامت الجمعية باطلاقها مشروع «كفالة مريض» والذي يهدف إلى تغطية نفقات المرضى، والتي توفر لهم المواد الأساسية لهم خلال شهر واحد.

وتطالب بضرورة تخفيض سعر الفحوصات المخصصة للكشف عن الحساسية، مما يزيد العبء على الأسر،وحيث أنه مرض وراثي في كثير من الأحيان فإنه يصعب في أغلب الأحيان اللجوء للفحص في مختبرات القطاع الخاص، خاصة في حال تعدد أفراد الأسرة وصعوبة إجرائها في المستشفيات الحكومية.

وتطالب القيسي أيضا بتوافر المنتجات الخالية من الجلوتين في المقاصف المدرسية، حيث أن معاناة الطلبة في المدارس تزيد خصوصا في ظل غياب هذه الأغذية مما يزيد من العبء النفسي لهؤلاء الطلبة ويضطرهم اللجوء للأغذية الأخرى مما يعرضهم للحساسية خلال يومهم الدراسي.