أبواب - زياد عساف

«من لم يحركه الربيع وأزهاره.. والعود وأوتاره.. فهو فاسد المزاج.. ليس له علاج»، مقولة لأبي حامد الغزالي اوردها في كتابه إحياء علوم الدين، يجمع بين الربيع والموسيقى كمحددين أساسيين للارتقاء بذائقة الفرد، فعلى مر العصور كان الربيع ولايزال مصدر إلهام للحالمين من رواد الكلمة والنغم، واستطاع أغلبهم تجسيد أجمل الفصول بصور غنائية تحمل دلالات ورؤى خارج السياق الوصفي والتقليدي للربيع كالترحيب بقدومه والتغني بالأزهار والفراشات والتلال، ما أثرى المكتبة الموسيقية العربية بألحان عذبة أطربت المستمعين في زمن جميل استحق أن يطلق عليه (ربيع الأغنية العربية).

أمير وسندريلا..

في بلادنا العربية تنوب الأغاني أحيانا عن تحديد موعد المناسبات السنوية دون الرجوع لمفكرة أو تقويم الروزنامة، فبمجرد الاستماع لأغنية أبو النور (رمضان جانا) وهي تتردد في الحواري والطرقات، فهذا يعني بدوره إعلان قدوم الشهر الفضيل، وما أن تصدح كوكب الشرق (يا ليلة العيد اّنستينا) حتى يبدأ الناس بتبادل التهاني.

قدوم الربيع ليس بعيدا عن هذه الطقوس السنوية وظل مرتبطا برائعة أمير الغناء فريد الأطرش (الربيع)، وعلى مدار خمسة وعشرين عاما ليس لها أي منافس، إلى أن ظهرت السندريلا سعاد حسنى وبكل ما تفيض به من روح البراءة والمرح، وبعفوية وروعة كلمات صلاح جاهين راحت تتغنى «الدنيا ربيع.. والجو بديع»، وفي واحد من أجمل مشاهد فيلم «أميرة حبي أنا» الذي عرض في صالات السينما العربية في ربيع 1975.

شم النسيم..

البحث في هاتين الأغنيتين يمهد للتعرف على نماذج من أغان إرتبطت بالربيع، تعد مرجعية خاصة من حيث الرؤى والمضمون تشكلت باجتهاد شعراء وملحنين ومطربين سعوا لتقديم رؤية إبداعية، أحدثت نقلة نوعية للأغنية العربية في كثير من الأعمال، وعلى الجانب الاّخر كانت هناك أغان ربيعية لكبار نجوم الغناء، إلا أنها أقرب لمواضيع الإنشاء المدرسية ذات الطابع الممل ما جعلها غير معروفة أو محببة للكثيرين بصورة أدق، وللإنصاف كانت لهم تجارب أخرى متميزة ومحفزة لابتكار ماهو أفضل دائما لدرجة أن جعلت التنافس وقتها على أشده في حفلات شم النسيم بين قطبي الغناء عبد الحليم وفريد على سبيل المثال.

عفريتة هانم..

النجاح الساحق لأغنية الربيع لفريد له أسبابه أهمها خبرته كموسيقار كبير استطاع توظيف المقامات الموسيقية بهذه الروعة وإجادته التعبير الغنائي عن مضمون الكلمات، ويبقى اللافت حب الناس لهذا العمل رغم الحزن المتدفق من صوت المطرب ولحنه، والمتعارف عليه ارتباط الربيع بالفرح والبهجة ليأتي ملك العود ويأخذهم لحالة العزلة التي يعيشها كما يشير هذا الأوبريت بسبب افتقاده للحبيب وضمن هذا المقطع (أدي الربيع عاد من تاني والبدر هلت أنواره.. وفين حبيبي اللي رماني من جنة الحب لناره)، وهو نفس الإحساس الحزين الذي يعكسه في الأغنية ومع باقي الفصول، ويجب التوقف عند نقطة هامة أن الأغنية عرضت في البداية على أم كلثوم إلا أنها أرادت التغيير في الكلمات ورفض شاعرها مأمون الشناوي ذلك لتصبح من نصيب فريد، وعلى الأرجح يعود سبب رفضها أن رؤيتها للربيع مرتبطة بالتفاؤل والانطلاق وتغنت به بالعديد من أغانيها على عكس هذه الصورة الحزينة.

قدم فريد هذا الأوبريت بفيلم: عفريتة هانم 1949 وبمشهد مغلق داخل الأستوديو يوحي بالكاّبة، ويشفع لفريد من قبل جمهوره وقتها بأنه كان يعاني من وفاة شقيقته أسمهان ليصبغ هذا الإحساس في معظم أعماله.

تفاؤل..

مع السندريلا سعاد حسني كان الموقف مختلفا فلقد جاءت أغنيتها: الدنيا ربيع، بعد ما يقارب سنة على انتصارات حرب أكتوبر وتجاوز الناس للهزيمة والإنكسار اللذين خلفتهما حرب «1967»، ليصبح الانطلاق والتفاؤل هما رد فعل طبيعي، وتجاوز الأزمات هو شعار المرحلة مؤكدة السندريلا ذلك وهي تغني بأعلى صوتها: قفِّلي على كل المواضيع.. قفِّل..قفِّل، والأجمل أن الربيع بهذا اللحن يتمثل بالأنوثة التي تفيض بها سعاد، وفي مشهد الرحلة للقناطر في عيد شم النسيم تغني بروح جماعية بصحبة الأصدقاء معلنة بكل براءة وعفوية عن وصفتها السحرية «قال لك وصفة بلدية للصحة وطولة العمر.. خد شمس وهوا على مية.. بلا دوا بلا عيا بلا مر».

هل الربيع..

تباين ملحوظ في أداء من تغنوا بالربيع إذ اختلف هذا الأداء في مرحلة الاحتراف عنه في البدايات، أم كلثوم لها مجموعة من الأغاني التقليدية في هذا السياق ومنها: «غنى الربيع بلسان الطير.. رد النسيم بين الأغصان.. والفجر قال يا صباح الخير» ، ومن (نشيد الربيع) بفيلم وداد 1936: حيوا الربيع في عيد الزهور.. عيد التهاني والسرور، وشتان ما بين الأغاني التي قدمتها بعد ذلك إذ يحضر الربيع كمعادل موضوعي للفرح والتفاؤل بالغد الاّتي ومنها:

«الشجر قبل الربيع حنشوفه أخضر

واللي فات ننساه ننسى كل أساه

ياللا نلحق م الزمن أيام صفاه».

بالإضافة لأغان أخرى مثل «وبعد الليل يجينا النور.. وبعد الغيم ربيع وزهور»، «لقيتني معاك بعيش معاك.. في ربيع مفيش كده.. بين شوق ما ينتهيش.. وشوق تاني ابتدى»، «الربيع الورد النبع اللي جاري..النسيم الحلو الليل اللي ساري.. كلهم ويايا أهم مستنيين».

وفي بداياته وبقالب انشائي تقليدي أيضا غنى عبد الحليم للربيع «هل الربيع الجميل ع الدنيا نوَّرها.. ومال على الأرض زوّقها وخضِّرها »، وهذا ماينطبق على أغنيته (ربيع شاعر) ويبدأها «يا ربيعي والأزهار تذوي.. قبل أن تشهد أنوار الحياة»، «فات الربيع عندي صبَّح على وردي.. قال للندى خليك ع الغصن مستني»، وفي عيد الربيع عام 1974 ومن أغنية (أي دمعة حزن لا) كان الربيع عند حليم هو الحب الذي يطرق الأبواب «ولما دق الحب بابنا الربيع نوّر شبابنا».

حبيبي ندهلي..

جارة القمر فيروز وفي خطواتها الأولى في عالم الغناء لم تعلق أغاني الربيع في ذاكرة محبيها كونها أقرب للسرد، وأشبه بمن يصف مشهدا مكررا، ومن هذه الأعمال» لاتنسني عاد الربيع.. تلالنا الزواهي لحن هني»، ومن أغنية زيارة الربيع «الربيع زار هذي الديارا وكساها اخضرارا.. فاضحكي يا ربوع الشتاء توارى»، وكذلك الحال مع أغنيتها الربيع الضائع «ربيعي أنت الاّن لم تزهر على دربي.. لم ترتعش الألحان حتى الاّن في قلبي»، لكن الحال تطور بعد ذلك مع الرحابنة وأحدثوا نقلة نوعية بخلق حالة من التصوف بين الإنسان والفصول وفي مقدمتهم الربيع الذي تقمصته فيروز بالعديد من أغانيها الجميلة، ولم تعد المتلقية والمرددة لمفردات الربيع فقط، بل هي من أضاف له أوصافا ورؤى تعبيرية أخرى، والأمثلة كثيرة ومنها حين تشدو «أنا لحبيبي وحبيبي إلي.. حبيبي ندهلي قال لي الشتي راح.. رجعت اليمامة زهَّر التفاح.. وانا على بابي الندي والصباح.. وبعيونك ربيعي نوَّر وحلي» ومن أغنية: غيبي ولا تغيبي «نامي ولا تنامي يا صغيرة الربيع.. نامي بالسلامة قبل الدني ما تضيع.. نامي ولا تنامي على مخدة السلامة.. ع جوانح الحمامة.. يا صغيرة الربيع ».

رؤيا..

غياب الرؤيا والتنوع في بعض الأغاني المتعلقة بالربيع صبغها بطابع (التصحٌّرْ) والجمود بدلا من توظيف عناصر الطبيعة لتعبر عن أحلام الناس وقضاياهم، وكثيرون من وقعوا بهذا المطب ومنهم محمد قنديل في أغنيته: «في الربيع القمر نوره على الأمواج يسير.. الطيور في الجو بتنادي الطيور»، من تونس محمد الجموسي «فيك الهنا لونك بديع.. ما احلاك يا فصل الربيع»، ومن لبنان نازك «أنا الربيع يا جميلة.. ياللي في ظل الخميلة.. أنا النسيم اللي هفهف..جنب الظفيرة الطويلة».

الحب له أيام..

تبقى هناك بعض أغاني الربيع التي تعكس أجواء التفاؤل مع قدوم هذا الفصل الجميل رغم أنها لا تخلو من الوصف المباشر، إلا أن السمِّيعة يستعيدونها مع المناسبات التي تتوافق مع هذه الأجواء، ومنها بصوت عبد الوهاب بفيلم ممنوع الحب 1942«هليت ياربيع هل هلالك.. متَّعت الدنيا بجمالك»، وأغنية فريد خاصة عندما عاد ليتصالح مع الربيع وغنى «ياللا سوا للربيع نقطف أزاهيره.. للقمر نرقص على نوره.. للنسيم نخطر على سيره ».

محمد فوزي بفيلم بنات حواء 1954مع الفنانة مديحة يسري، قدم بالفيلم أوبريت: الحب له أيام، متغنيا بكل الفصول وعلى طريقة فريد في الربيع ألا أنه قدمه بروح الدعابة التي تفرضها هذه الأجواء باشتراك شادية واسماعيل ياسين، سعاد محمد عاشت هذا الفصل قبل أوانه بعد أن تم التصالح مع الحبيب «مين فكرك.. رجع الربيع للجناين.. ونوره في عنيا باين.. انا كنت فاكرك خاين.. مين يا ناسي؟.

قد يأت الربيع قبل أوانه ولكن في عالم العشاق وهم في حالة الوصال، ميادة الحناوي خير مثال وهي تتغنى بحضور روح الروح:

«زي الربيع مايهل.. زي القمر ما يطل

زي الندى ما يرد الروح.. الدنيا تضحك ورد وفل

هليت يا روح الروح.. رديت في قلبي الروح

زي الربيع.. زي الندى.. زي الحياة».

حلاوة شمسنا..

الإحساس بالربيع على مدار أيام السنة شعور ينتاب (الحبِّيبة) مرهفي الإحساس كما تصفه وردة الجزائرية: «ولولاك ما كان عمري اغتنى انس وهنا ولا دندنة.. ولا كنت حسيت بالربيع في كل أيام السنة »، وهذا ما تعكسه حلاوة شمس وخفة ظل المصريين حين يغني الثلاثي المرح «حلاوة شمسنا وخفة ظلنا.. الجو عندنا ربيع طول السنة ».

عصفورة الربيع لا يرتبط حضورها بتوقيت معين عند المطربة صباح كما شدت بفيلم ليلة بكى فيها القمر 1980:

«ساعات ساعات أضحك وألعب زي عصفورة ربيع

زي النسيم ما يعدي وبلحظه يضيع أضيع

أفرح قوي واضحك قوي واحب عمري

و اعشق اليوم اللي فات.. ساعات ساعات».

ربيع خفي..

ربيع خفي يبعث عبيره بين العديد من الأغنيات التي أصبحت مرتبطة بالربيع دون ذكره مباشرة جاءت في أحلى باقة من الأغاني الربيعية من خلال مفردات الورود أو الفل ومنها أغنية اسمهان :يا بدع الورد، عبد الوهاب :يا ورد مين يشتريك، ليلى مراد :مين يشتري الورد مني وكوكب الشرق الورد جميل أو الفل والياسمين والورد عملوا سوا صحبة موضة.

لون الحنين..

شهر نيسان جاء تعبيرا عن الربيع في كثير من الأغنيات، ولعل اهمها ما باحت به فيروز وهي تأخذنا الى ربيع طال انتظاره :

«بكرا بييجي نيسان يسألنا

ويرش ورودو ع منازلنا

منخبروا شو صار منسمعوا الأشعار

ياللي كنت فيها تغازلنا».

و أما تلوين البيض في عيد شم النسيم فهو من الطقوس الجميلة وقد صبغها صلاح جاهين بأشعاره وشكَّلها سيد مكاوي بألحانه متغنيا:

«يا ملونين البيض في شم النسيم

لون الحنين والشوق وخمر النديم

ما تعرفوش سايق عليكوا النبي

تلونوا الأيام بلون النعيم

عجبي !»