أبواب: نداء الشناق

«منذ طفولتي وأنا أتعرض للسخرية ممن هم حولي بسبب مشكلة في النطق «التأتأة» لدرجة أنني كنت أخجل من التحدث أمام الآخرين خوفا من الضحك عليّ، فكنت أبقى وحيدا، وأخشى الاختلاط، منذ صغري رغم تفوقي العلمي وحتى بعد أن تلقيت العلاج، وشفيت ما زالت تلاحقني سخرية المحيطين بي، ويستذكرون طفولتي غير مهتمين لشعوري».

بهذه الكلمات وصف خليل أسعد معاناته المستمرة التي نتج عنها الرغبة شبه الدائمة في الصمت أمام معارفه القديمة.

تقول الاخصائية النفسية وفاء المعلواني إن:«كثيرا من الناس يتعرضون للسخرية والاستهزاء والاستهانة من الآخرين إما بسبب طبيعة عملهم، أو شكلهم، أو لباسهم، أو مرضهم، أو لوجود إعاقات جسدية أو لفظية، أو للونهم، أو لسمنتهم ونحافتهم، وقد تكون أحيانا السخرية من أنسابهم أو أقوالهم، بإطلاق الألقاب عليهم والكلمات الجارحة ليصبحوا أضحوكة الأمر الذي يؤدي إلى تدمير نفسياتهم».

وتضيف أن: «السخرية بالآخرين لها وقع خطير على النفس، حيث تؤدي إلى العزلة والتراجع في الأداء والعطاء من الناحية العملية والعلمية، وكثيرا ما يصاب المستهزأ به بالاكتئاب والقلق وعدم القدرة على الإنجاز والتواصل مع الآخرين بشكل إيجابي».

ويقول المرشد الاجتماعي محمد توفيق إن:«للسخرية خطورة على المجتمع حيث تساهم في إضعاف الروابط الإنسانية وتعزز ثقافة الكراهية وانعدام المودة والرحمة بين الناس، وذلك بسبب ما يتولد لدى المستهزأ به من رغبة في الانتقام بسبب الحقد والعداوة، ويمكن أن تتطور الأمور وتخرج عن السيطرة وتتحول إلى عنف تجاه المستهزئين بالآخرين».

ويشير توفيق إلى أن:«هناك العديد من الدراسات تؤكد أن السخرية من الآخرين تؤدي إلى التقليل من إحترام الذات، وتدمير الإنسان لذاته، لأن المستهزأ به يفقد الثقة بنفسه تدريجياً، ما يجعله أقل نجاحاً في الحياة وأكثر عرضة للأمراض، لأن ممارسة السخرية تضعف النظام المناعي، وهناك آثار سلبية مدمرة أيضاً على المستهزأ به حيث تسبب له السخرية الاكتئاب والقلق وأحياناً العدوانية».

وتبين المعلواني أن:«من أسباب السخرية بالآخرين سوء التنشئة بالإضافة إلى ضعف واضطراب الشخصية وحب الذات، وهو ما يدل على عدم الاتزان النفسي والافتقار للأخلاقيات».

وتضيف المعلواني أن:«من الأسباب أيضا الرغبة في إيذاء الآخرين وتدمير نفسياتهم».

وتؤكد أن المستهزئين بالآخرين يحتاجون إلى علاج نفسي وتعديل للسلوك، فهم يعانون من فراغ نفسي وعاطفي، بالإضافة إلى أنهم يصنفون من أصحاب العقول الفارغة التي تتميز بالفشل وقلة الإنجاز، ليس لديهم شيء في الحياة إلا الحديث عن الآخرين بفوقية وازدراء، ليجدوا لأنفسهم مجلسا بين البعض فهم عبارة عن مهرجين يضحكون الناس».

وتبين المعلواني أن: «الاستهزاء الذي يلجأ إليه البعض كتقليد أصوات أو تصرفات أو طباع الآخرين والتعرض لحياتهم الخاصة وعاداتهم وعفويتهم وبساطتهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عند رؤيتهم يسبب لهم الحرج الشديد والإهانة».

طريق للانفصال

يقول سليم «زوجتي تستهزىء بي أمام أهلها واﻵخرين، تسخر أمامهم من طريقة كلامي وأفكاري ومظهري، حيث لا يعجبها سمنتي ولباسي، وتقلد صوتي وتصرفاتي وقد جعلتني أضحوكة، ولا تحترمني، حتى أصبحت لا أطيقها وأفكر بالانفصال عنها».

ويضيف «حاولت التفاهم معها لوقف تصرفاتها تجاهي أمام الآخرين، لكنها لم تكترث بكلامي، فهي مغرورة وتقلل من شأني، وتقول لي باستمرار أنت محظوظ بزواجك مني».

وحول الحلول والأساليب التي يجب إتباعها للتعامل بها مع الأشخاص المستهزئين، تقول المعلواني: «يكون من خلال إرشادهم والعمل على تعديل سلوكهم، وتوجيههم إلى أن ما يفعلونه مرفوض أخلاقيا، ودينيا، وإنسانيا، فحياة الناس وظروفهم لا مجال للاستهزاء بها، وفي حال استمروا بذلك يجب عدم الاستماع لسخريتهم المؤذية للآخرين».

وتضيف أن «المستهزئين لديهم فراغ كبير في حياتهم ويعانون من أمراض نفسية كالغرور والنرجسية، بالإضافة إلى أنهم عديمو المشاعر حيث يضحكون على مصائب وآلام الآخرين ويتلذذون بإهانة الناس، وللتخلص من هذا السلوك السيئ يجب عليهم إشغال فراغهم بما هو مفيد ونافع».

وتتابع: «يجب عدم التفاعل معهم وتجنب الشخص الساخر، وإذا تطاول رغم ذلك على المستهزأ به أن يذكره بحدوده الشخصية، ويجب عليه إخباره أن لا يتدخل في أمور لا تعنيه حتى لا يكرر الساخر تصرفاته السيئة».

يبين أستاذ القضاء الشرعي في كلية الشريعة بجامعة اليرموك الدكتور يوسف عبدالله الشريفين أن السخرية والاستهزاء من المحرمات لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» الحجرات: 11.

ويوضح د.الشريفين ان الله عزو وجل كرّم الإنسان، واحترام آدميته واجب شرعي لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء :70) ».

وتابع: «أن هذا التكريم لآدمية الإنسان واحترامه لم يأت عبثا فالأصل أن يحترم الإنسان ولا تنتهك كرامته ولا تهان سواء بالقول أو الفعل».