على مدى عقود ادعت الولايات المتحدة الأميركية أن إيران تشكّل تحدياً شاملاً لمصالحها وتهديدا واسعا لحلفائها وشركائها في الشرق الأوسط ولم تخل أي وثيقة للأمن القومي الأميركي منذ سقوط نظام الشاه وصعود الجمهورية الإيرانية الإسلامية من الحديث عن الخطر الإيراني، وقد أدرجت إيران منذ عام 1984 على لائحة الولايات المتحدة لـ «الدول الداعمة للإرهاب» فضلا عن تعريفها كدولة «مارقة»، ومع ذلك تمكنت إيران خلال العقود الأربعة الماضية من التمدد والانتشار، وتمكين سيطرتها وزيادة نفوذها، وخلق فضاء جيوسياسي من طهران إلى بغداد مرورا بدمشق وصولا إلى بيروت فضلا عن نفوذها في البحرين واليمن.

خطوة لا سابق لها

منذ قدوم إدارة ترمب بات الحديث عن الخطر الإيراني حدثا يوميا، وأصبحت التهديدات لازمة خطابية لأركان الإدارة الأميركية، أفضت إلى جملة من العقوبات الاقتصادية والإجراءات السياسية لعزل إيران وفق استراتيجية تقوم على مبدأ ممارسة «ضغوط قصوى»، تكللت بالانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018، لكن العقوبات التي ارتكزت على العامل الاقتصادي رغم قسوته وتأثيراته البالغة علىالاقتصاد الإيراني، لم تدفع طهران لإعادة التفاوض للتوصل إلى اتفاق جديد وفقا لمعايير ترمب، التي ترغب بتوسيع الاتفاق ليشمل ملفات عديدة لا تقتصر على الملف النووي.

في خطوة غير مسبوقة أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الثامن من نيسان الماضي إدراج «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية الخاصة بوزارة الخارجية الأميركية، في إطار تدشين مرحلة ثانية من استراتيجية الضغوط القصوى، وهي خطوة لا سابق لها في التاريخ الأميركي والدولي، حين تطبق فيها واشنطن هذا التصنيف على مؤسسات حكومية رسمية لدولة أخرى، وهي خطوة لم تتجاوز قواعد اللعبة الاستراتيجية طوال تاريخ الصراع الأميركي ـ الإيراني على مدى الأربعين عاما الماضية منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، الحرس الثوري الإيراني الذي يبلغ عديده 125 ألفا، يتخطى دوره المهمات العسكرية، ويقوم بأدوار حيوية في كافة المجالات السياسية، والأمنية، والثقافية والاقتصادية، باعتباره «صمام الأمان» للثورة الإسلامية.

حرب اقتصادية

بعد ساعات من إعلان قرار البيت الأبيض، إدراج «الحرس الثوري» الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية، صنّف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني القيادة المركزية الأميركية -المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى- منظمة «إرهابية». وانتقل البرلمان إلى طرح اقتراح يصنف الجيش الأميركي بأكمله كياناً إرهابياً، ورغم التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران، إلا أن فرص استهداف الحرس الثوري الإيراني مباشرة للقوات الأميركية منعدمة تقريبا، وفقاً لما صرح به سجاد عابدي، المحلل البارز في مركز الأبحاث للدفاع والأمن القومي الإيراني، وهو مرتبط بشكل وثيق بمكتب المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.

ومع ذلك، يُعتبر تصنيف «الحرس الثوري» خطوة مهمة، من حيث رمزيتها وكونها سابقة قانونية على حد سواء، حسب عومير كرمي نائب مدير الاستخبارات في شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية «سيكسجيل»، نظراً إلى الدرجة التي فًرضت فيها العقوبات والأوامر التنفيذية السابقة قيوداً فعلية على التعاملات الأجنبية مع هذه المنظمة، فمن المرجح أن تكون الآثار الاقتصادية لتصنيف «الحرس الثوري» كمنظمة إرهابية أجنبية محدودة، ومن المحتمل أن يعتبرها النظام خطوة سياسية بحتة–أي جزء من سياسة «الضغط الأقصى» التي تنتهجها واشنطن ضد إيران. فخلال الأشهر القليلة الماضية، ناقش المرشد الأعلى علي خامنئي مراراً وتكراراً ضرورة التصدي لـ«الحرب الاقتصادية» الأميركية، لكنه كان حريصاً على إيضاح أن التدابير المضادة الضرورية هي ذات طابع اقتصادي ونفسي وليس عسكري.

ثمة اتفاق على محدودية الأثر الاقتصادي لتصنيف وزارة الخزانة الأميركية الحرس الثوري الإيراني جماعة إرهابية، ومن المستبعد حدوث مواجهة عسكرية شاملة، لكن تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية يجعل كل من يتعامل معه يخضع لعقوبات ثانوية، حسب الباحث الإيراني ميسم بيهرافيش، ففي حين أن قرار التصنيف الجديد للحرس الثوري منظمة إرهابية أجنبية لن يكون له تأثير اقتصادي كبير عليه أو على إيران، فإنه سيجعل السلك وأعضاءه هدفاً عسكرياً عالمياً شرعياً، على غرار تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة، وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض عقوبات على الحرس الثوري الإيراني سنة 2010 على خلفية أنشطة إيران النووية والصاروخية، لكن مع تغيّر التوجه الأميركي وإمكانية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيصبح دعم الصفقة النووية أكثر صعوبة من الناحية السياسية وأكثر تكلفة.

ثمة خطرين في المنطقة

لا جدال أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهدف جزئياً إلى تعزيز صورة ترمب المحلية وجلب أصوات الناخبين اليمينيين والمؤيدين لـ«إسرائيل»، وبعيدا عن الدوافع الأميركية المعلنة التي تتمثل بهدف «تغيير سلوك إيران الإقليمي»، فإن الأهداف الاستراتيجية تقع في صلب تصورات إدارة ترمب ورؤية إدارته للشرق الأوسط، طبقاً لمبادئ وثيقة الأمن القومي التي نصت على جوهر «صفقة القرن» وذرائعها، فبحسب الوثيقة «على مدار عقود كان الحديث عن أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو المحور الأساسي الذي منع تحقيق السلام في المنطقة، إلا أن اليوم يتضح أن التطرف الإرهابي الإسلامي الآتي من إيران قادنا لندرك أن إسرائيل ليست مصدرا للنزاع في الشرق الأوسط، وأن دولا أظهرت إمكانيات التعاون المشترك مع إسرائيل لمواجهة التهديدات الإيرانية»، فالاستراتيجية الأميركية لفهم طبيعة المخاطر في الشرق الأوسط تشير إلى أن واشنطن ترى أن ثمة خطرين في المنطقة: الأول هو التنظيمات الإرهابية، والثاني هو إيران، وقد تخلت عن فكرة أن السبب الرئيسي للأزمات هو الصراع العربي الإسرائيلي، كما تخلت عن فكرة إدخال الديمقراطية إلى بلدان العالم العربي.

خلاصة القول أن التصنيف الأميركي للحرس الثوري الإيراني يهدف إلى إعادة بناء الشرق الأوسط عبر مدخل الإرهاب، وفق تطبيقات مشروع «صفقة القرن»، التي تقوم على تصفية القضية الفلسطينية وإدماج المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية في نسيج المنطقة العربية الإسلامية من خلال تأسيس تحالف أميركي عربي إسرائيلي (ناتو عربي) تحت ذريعة مواجهة خطر مشترك أختزل بالمنظمات «الإرهابية» والجمهورية «الإيرانية».