قبل السابع من شباط من العام الف وتسعمائة وتسعة وتسعين، لم يكن الشيب ليجرؤ أن يستوطن في شعر الملك عبد الله الثاني فالحسين بن طلال كان على مدار نصف قرن من الزمان هو من حمل هموم الوطن والمواطن فأثقلت كاهله ولكنه لم يكلّ متنه ولم ينوء بحملها إلى أن جاء قضاء الله وقدره فانتقلت الراية لنجله الأمير الشاب – آنذاك – عبد الله والذي كان والده قد نذره لوطنه وأمته وكأني بالحسين يقول: لا تفرح يا بُنيّ بسواد شعرك فاغتنم منه ما شئت لأن الشيب قادم لك لا محالة لأنك هاشمي ومن كان النبي جدّه فإن هذا قدره.

عشرون عاماً أو أقلّ من ذلك بكثير، كانت كفيلة بأن يغزو الشيب شعر سيدنا، فرضي بهذا الوقار وآثر أن يبيضّ شعره ليبقى شعر الأمة أسود ناصعاً، لكنه اليوم يفخر بأن ما ابيضّ هو وجهه وهو خير من يذود عن الأمة ومقدساتها ويقف في وجه العالم رافعاً رأسه ورأس شعبه من حوله ويقول: كيف لي أن أتخلى عن القدس وأنا الملك الهاشمي.

يشيب شعر الملك وهذا قدره، وفي شيبه عنوان عزة وفخار لكل أردني وعربي كان سبباً لهذا الشيب، وقد أُنيط به وهو ملك ليس كما سواه، ملك يقف في وجه الظلم والطغيان ويقول لا ويلبي النداء كلما أدلهم الخطب وكلما أنّت القدس وصرخت غزّة وبكت ثكلى.

عدد الشيبات في شعر الملك تساوي عدد ما يجول بخاطره ويفكر فيه، ويشغل باله في كل ساعة ودقيقة وثانية من اليوم، فالمواطن ومستوى معيشته ملفٌ لا يبرح عقل الملك ووجدانه وضميره، والفقر والبطالة همٌّ يمشيان مع جلالته أينما سار، والاقتصاد والاستثمار عنوانان راسخان في أجندته وبرامج عمله ويريد لهما أن يكونا روافع تنمية وأدوات تقدم ورفعة في ظل شُح الموارد والإمكانات، والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن حلمٌ يراه في منامه كل مساء فيوقظه وهو يفكر بسبل كفيلة لحلّها وهو يرفع رأسه بصبر الأردني ومقدرته على مكابدة الظروف ومواجهة التحديات.

نحب الملك ونحب كل شيبة مباركة في رأسه، لأنه شيب ناب فيه عن شعر الأمة لكي يبقى أسود ويبقى عبد الله وحده في الميدان، فارساً مغواراً، كالشجرة المثمرة المورقة والمغدقة على كل من يلتمسها ويسعى إلى حصادها، أو حتى ظلها.

إن الشعوب الوفية لقادتها هي التي تعيش طعم الاستقرار والحرية، هي التي تقول لكل أحد في الدنيا إننا أقوياء، لأن القاعدة الشعبية والقيادة نفس واحدة، ووطن هكذا شأنه لا يمكن أن يخترق بإذن الله تعالى، قد نختلف.. نعم.. ولكن لنتفق، وقد نتوجع من نازلة ما.. ولكن لنلقى الحب والحنان واللمسات الأبوية من قائدنا المعظم، قد نشعر بالضيم، ولكننا نترقب العدالة في أسمى معانيها.

عبد الله الثاني.. يا قمر الصحراء.. هذا الشيب في هديبك أوسمة نبيلة.. مكتوبة بأحرف البطولة

يا طيب القسمات يا شيخ الحمى..إنا نحبك قائداً ومعلماً.. وأباً وأغنية وراية.. وحكاية تتلو حكاية ألا بوركت وبوركت كل شيبة في شعرك البهي.

Ahmad.h@yu.edu.jo