ما كان قيد الاشاعات والتسريبات، بات واضِحاَ الآن ويُنذر بالمزيد من الغموض والاحتمالات المفتوحة, على سلسلة من «الانقلابات» الصغيرة وربما الكبيرة، الى ان تنتهي فشلاً او نجاحاً السيناريوهات التي أُعِدَ بعضها بالتعاون مع رموز حقبة القهر والإستبداد, التي أسّس لها وقادها عمر البشير، وبعضها الآخر واظبَت السفارات الأجنبية (وبعض العربية) بأجهزتها الاستخبارية, الإعداد له وانتظار اللحظة المناسبة لتظّهيرِه ومفاجأة الجميع بوجوه جديدة، معظمها عسكري مُطعّم ببيادق مدنية, حتى لا تبدو الأمور وكأنها انقلاب قصر أو إعادة إنتاج لنظام إسلاموي بائد، لم يأت للسودان والسودانيين سوى بالخراب والفاقَة.

انقسام في الجيش السوداني لم يستطع الجنرال بن عوف في بيانه «الباهِت» الذي انتظره السودانيون والعالم ساعات طويلة من الترقّب، في إخفاء تلك الحقيقة والصراع الخَفِيّ على السلطة بين القيادات العسكرية العُليا، صراع يبدو وكأنه حُسِم لصالح «تيار» آخر في المؤسسة العسكرية، «انقلب على الانقلاب» الذي قاده بن عوف بالتنسيق مع مؤيدي البشير، لم يلبث الذين تربّصوا بهم أن أجبروهم على الاستقالة والتواري عن المشهد تحت طائلة المواجَهة المباشِرة بالنيران، وهو ما دفع بجنرال آخر الى البروز وهو الجنرال عبدالفتاح البرهان, الذي وإن لقي تعيينه قبولاً لدى المعتصمين، إلاّ انه وفي الوقت نفسه والذي اعتبر فيه «تجمّع المهنيين» المُتصدِّر واجهة الاحداث كقائد للحراك الجماهيري والنقابي، فإنه دفع به الى إبداء المزيد من الحذر, داعياً المُحتجّين الى مواصَلة اعتصامهم أمام مقرّ الجيش حتى إشعار آخر.

لم تُجدِ نفعاً كل المحاولات التي بذلها الجنرال عمر زين العابدين رئيس اللجنة السياسية الأمنية في المجلس العسكري الإنتقالي, لِبثِّ بعض التطمينات لدى الجمهور السوداني الغاضب, في ثني المحتجين عن مطالبهم ولا حتى الرضوخ لقرار حظر التجوال الذي اتخذه المجلس العسكري، ما أوقع الأخير وقادته في ارتباك، أسفر ضمن أمور اخرى، الى التعجيل بتصدُّع بنيان هذا المجلس, عبر «الإعتذارات» غير المسبوقة في المؤسسات العسكرية عن عضوية المجلس، الأمر الذي كشف بل زاد الشكوك بأن «طبخة» ما قد أُعِدَّت في الخفاء، استعجلَ «طبّاخوها» تقديمها للجمهور قبل نضوجِها، وهو الذي تجلّى لاحقاً في سلسلة من التراجعات غير المنتظمة وغير المحسوبة, والتي عكستها تصريحات وتسريبات متضارِبة، أفضت في النهاية وبعد يوم واحد فقط الى استقالة الفريق بن عوف، تارِكاً مقعده لجنرال آخر، قيل «حتى الآن» أنه غير محسوب تماماً على الدائرة الضيقة التي اصطفاها الديكتاتور المخلوع, عندما أعلن حال الطوارئ وأعاد تشكيل قيادات الصف الاول في محاولة لاجهاض الانتفاضة الشعبية، ما دعا تجمّع المهنيين السودانيين لوصف ما حدث، بأنهم «خلَعوا قُبّعة ووضعوا أُخرى»، مُصِرّاً على مقاوَمة الطوارئ وحظر التجول.

الى أين من هنا؟

من الحكمة عدم التقليل من شأن التدخّلات الخارجية وخصوصاً الاقليمية, التي تسعى لـ «الاستثمار» في الأزمة السودانية المُتدحرِجة، وبخاصة في المؤسسة العسكرية, التي تبدو هي الأخرى في حال انقسام آخذ في التبلّور. تماماً كما هي حال المعارَضة المنقسِمة وفاقدة التأثير، حيث قدرتها على مواجهة ما يُحضّره «العسكريون» بارتباطاتهم الخارجية, تبدو متواضِعة. رغم الشجاعة التي أبدتها الجماهير في مواجَهة نظام الاستبداد والطغيان, الذي لم ينهر حتى الآن.

kharroub@jpf.com.jo