د. أيّوب أبو ديّة

درس صلاح قنصوه الفلسفة وتخرّج عام 1957 من كلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم اشتغل بتدريس الفلسفة، وما لبث أن شرع في دراسة الفيزياء النظرية دراسة نظامية مكّنته في دراسته الفلسفية للماجستير من فهم قضايا العالم الطبيعي الأساسية. وعندما حصل على منحة دراسية من جامعة أوسلو بالنرويج، مُنحت له الفرصة للتخصّص في علم الجمال/ فلسفة الفن، ولكن عمله بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية وجّههه صوب فلسفة العلوم الاجتماعية.

وفي هذا السياق، اتخذ صلاح قنصوه من الموضوعية العلمية موضوعاً لأطروحته للدكتوراه؛ بوصف الموضوعية العلمية القضيةَ المحورية للعلوم الاجتماعية. وانتقل إلى جامعة الزقازيق ليرأس قسم الفلسفة في كلية الآداب، ثم إلى أكاديمية الفنون ليرأسها بعد أن انتُدب إليها فترة من الزمن. نال جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية لعام 2006 وفارق الحياة في مطلع شهر نيسان 2019 بعد صراع طويل مع المرض.

استطاع صلاح قنصوه الذي وُلد عام 1936، التعرف إلى الفكر الماركسي مبكّراً من خلال ندوات يوم الخميس في «دردشات» أحمد حسين في القاهرة. وقد نمّى ذلك روحَ النقد عنده، وبخاصة خلال تدريسه مواد الفلسفة العامة ومناهج البحث وفلسفة الفن ونظريات النقد الفني.

تَخصص قنصوه في فلسفة الفن، وفي الموضوعية العلمية، وقد نشر أطروحته عنها في كتاب عام 1980 جاء بعنوان «الموضوعية في العلوم الإنسانية: عرض نقدي لمناهج البحث». وفي بحثه حول المواقف المختلفة للمفكرين من مشكلة الموضوعية في العلوم الإنسانية، تساءَل قنصوه عن موضع العلوم الإنسانية من ثقافة العصر، وعن المهام والوظائف الملقاة على عاتقها.

رأى قنصوه أن العلومَ الإنسانية، بوصفها علوم الإنسان والمجتمع، تسهم في رؤية العلم في ضوء أوضاعنا المعاصرة ومشكلاتها، أمّا الموضوعية -مهما تعددت تعريفاتها عند الباحثين- فإنها تفتح الباب أمام مشاركة الآخر وتهيئ الظروف للمشاركة في المعارف والإجماع على الحكم والنتائج. فالموضوعية «قيمة إنسانية رفيعة تطوّع ما هو ذاتي ليتحوّل ملكاً للجميع. فهناك ما يمكن أن يتحدث به كلٌّ منا للآخر وأن يتضافر معه على تحقيقه».

وبعد التأسيس للتعريفات المفهومية ينتقل قنصوه إلى تعريف النهضة، فالنهضة عنده هي نوع من تعبئة قوى الوعي، وتتمثل في إعادة اكتشاف الذات والعالم في آن معاً، وذلك في سياق محاولات السيطرة والتحكم فيهما، وذلك استجابة لحرية إرادة الإنسان. ثم ينطلق بعد التعريف المفهومي إلى اقتراح رؤية لمهمات النهضة، إذ تتجلى هذه المهام النهضوية في التساؤل النقدي حول التراث ومأثوراته كما وصلتنا واستخلاص روحها الإيجابية التي حفزت السلف وجعلتهم يبدعون. وهذا ما هو مطلوب من نهضتنا المعاصرة، أي عودة استلهام إحياء التراث المصاحبة لسيادة روح التنوير المتمثلة في هيمنة الحركة على فكرة الثبات والصيرورة، وهيمنة الوجود والنسبية على المطلق. أمّا الدعوة إلى مناهضة الصيرورة والحركة فليست سوى تمرّد على الواقع واحتجاج ضد إنجازات الغرب ونزوع صوب التقوقع على الذات.

نستطيع أن نفهم التراث بوصفه حدثاً تاريخياً تتفاعل معه الأحداث اللاحقة، فهو ليس مجرد ميراث قارّ ثابت، فثقافة المجتمع تتغير باستمرار، كما تتغير أدوات التعبير عنها المتمثلة في اللغة والفكر بأشكاله المتنوعة، ومَن يظل ثابتاً يُهزم بسهولة. والثقافة هي المفهوم المقترح في مقابل العودة إلى التراث الثابت، لأن الثقافة هي الوجه الإنساني من العالم الطبيعي، ولأن الاختلاف المزعوم بين الثقافات لا يقوم على اختلاف عناصر كل ثقافة، إنما على اختلاف العلاقات في ما بين هذه العناصر، والتي هي قابلة للتطوير والنمو. لذلك فإن الثقافة في تغير مستمر بحكم تغير العلاقات في ما بين عناصرها، فلا وجود لثقافة واحدة في المجتمع. كذلك فلا وجود لموروث واحد ثابت، كما يشهد التاريخ.

وهناك كتاب لقنصوه بعنوان «فلسفة العلم» كان في طور الترجمة عندما حدثني عنه المؤلف شخصياً في طرابلس بلبنان على هامش مؤتمر في الجامعة اللبنانية. ويبدو أنه تُرجم الى اللغة الانجليزية. يحتوي الكتاب على رؤية للتصور النقدي للفلسفة العلمية، والذي يُعَدّ رؤية متطورة لكثير من الموضوعات الحديثة في فلسفة العلوم، إذ قبل قنصوه بالتصورات الفلسفية المتنوعة بشرط ألّا يُعَدّ ذلك التصور نفسه هو التصور الوحيد والنهائي لفلسفة العلم. ورأى قنصوه أن ربط الفلسفة بالعلم -كما فعل الوضعيون- قد أعلى من شأن الفلسفة وساهم في حل بعض إشكالياتها وتأزماتها التاريخيّة. ولكنه رفض تبعية الفلسفة للعلم، وبحث عن تفاعل خلّاق وعلائق متداخلة بين الفلسفة والعلم، لذلك رفض تحديد الفلسفة الوضعية لمهمة الفلسفة بوصفها تعليقاً على الأحكام العلمية، فالفلسفة بغير علم تجربة عقيمة، أمّا العلم من دون فلسفة تقوده فمجرد تجارب عشوائية متناثرة.

اعتقد صلاح قنصوه أن فلسفة العلم من جانبها الأنطولوجي تتضمن ابتكاراً لمفاهيم فلسفية دقيقة، كما فعل غاليليو في إقامة فيزياء حديثة هدمت فيزياء أرسطو، وكما فعل الفيزيائي الألماني هايزنبرغ من خلال الفلسفة للوصول إلى معرفة فيزيائية دقيقة، وأيضاً كما فعل آينشتاين في إبداعه منهجاً علمياً جديداً. أمّا في الجانب الإبستمولوجي، فيتساءَل فيلسوف العلم عن إمكانية المعرفة، وعن إمكانية بلوغ الحقيقة من خلال العلم، فضلاً عن أنه يبحث في طبيعة العلاقة بين الباحث وموضوعات بحثه، كذلك يبحث في أدوات المعرفة ومصادرها: هل هي الحدس أم العقل أم المخيلة أم معطيات الحس؟

أمّا الجانب الإكسيولوجي لفلسفة العلم (مبحث القيم)، فيكشف عن طبيعة العلاقة القائمة بين النظرية والتطبيق كشفاً مبيناً. ويقف صلاح قنصوه إلى جانب عدّ العلم بحثاً نظرياً مستقلّاً تماماً عن التطبيق، ويبرر ذلك بأن الخلط الذي يقوم عليه هو عدّ العلم والتكنولوجيا وجهَين لعملة واحدة؛ حيث أن بعض العلماء الذين يؤسّسون لقانون علمي يقومون بتصميم آلة تطبيقية للقانون، كما فعل العالِمان الأميركي أوبنهايمر والسوفياتي زاخاروف في صنع القنبلة النووية. إذ يعتقد قنصوه أن بواعث تطبيق القوانين العلمية أو إنتاج التكنولوجيا تقوم من خارج العلم نفسه وتــُفرض عليه فرضاً عبر متطلبات السوق وقوانينه.

أما في ما يتعلق بالموقف من الفن، فقد اتخذ قنصوه موقفاً واضحاً من فن ما بعد الحداثة يتمثل في أن الفنان المعاصر أخذ يواجه فوضى العولمة وميوعتها، فاشتغل الفنان بتأثر مما هو متاح له أن يسمعه ويراه ويلمسه ويدركه بحواسه إدراكاً مباشراً، فأصبح فنه عبارة عن صورة واضحة نقية تـُعبّر عن عزلته وبروده، فأنتج عملاً مجرداً بلا مضمون خفيّ من ورائه، خالياً من بواعث خلّاقة وأهداف إنسانية حقيقية. فأصبح الفن نوعاً من التجريب المستمر الذي تكون الحواس هي مقياسه وأدواته ويكون موضوعه هو الظاهر الخارجي المفتَّت وغير المنطقي أو المترابط. فلم يعد فن ما بعد الحداثة دعوة أو رسالة أو التزاماً ما أو سعياً إلى التغيير، بل أصبح استسلاماً للواقع الأيديولوجي الذي تفرضه العولمة.