د. آلاء منصور حمدان

لا يبلغ العالِمُ مرتبة الإلهام والتأثير إلا إذا كان فكره إبداعيا تجديديا يمزج بجدارة واستحقاق بين العقل المفكر والروح الباعث للحياة في موات الأفكار، لتكون المحصلة إبداعا إنسانيا ونتاجا توافقيا بين العقل والحياة، فيغدو كالشهاب الثاقب في سماء النهضة، والمستولد لعقيم الفكر، والملهم المحفّز لقوى العوالم المعطاءة النابضة بالحياة. والأستاذة الدكتورة سهى نعجة عالمةٌ تبقى دائمة الرنو في استنهاض الطاقات الفكرية.

ففكر هذه الأستاذة حرم يشعرك بقداسة الصنعة في ميادين التعليم، ويكشف عن أسرار مداخل تعلّم اللغة العربية، ويطلق القوى الخفية لكل ممتهن لمهنة الرسل، ليكون قادرا على إدارة مفاتيح الفهم، فينفض عن أهداب التعليم نعاس السنين ويشق أكفان التلقين.

وقد هدفتُ في هذه الكتابة إلى التركيز على لمعات فكر د. سهى نعجة في أثر التفكير الناقد في قدرة متعلّم اللغة العربية الناطق بغيرها (المستوى المتقدم) على الكتابة الإبداعية، وأقصد بالتفكير الناقد هو «التفكير الذي يتطلب استخدام المستويات المعرفية العليا الثلاث في هرم بلوم، وهي التحليل والتركيب والتقويم»، وبرأيي فإن هذا التعريف قد حمل في ثناياه أهمية بالغة؛ إذْ يساعد متعلم اللغة العربية الناطق بغيرها في التغلب على الصعوبات الأساسية أثناء التعلّم، وإكسابه فهما أعمق للمحتوى التعليمي بما يتضمنه من مفاهيم وحقائق، مما يزيد من ارتباط المعارف بوظائف حياته اليومية، وبالتالي يضفي المتعة على التعلم.

أما غايتي من ترسيم حدود هذه الكتابة فيعود إلى ملاحظتي ضعف دافعية بعض المتعلّمين للّغة العربية الناطقين بغيرها من المستوى المتقدم نحو ممارسة مهارات التفكير، وعزوفهم عن الإجابة عن الأسئلة سواء التي تقيس مستويات التذكر، أو التي تقيس مستويات التفكير العليا من تحليل وتركيب وتقويم، عدا انصرافهم نحو استظهار المعلومات دون ممارسة لمهارات التفكير، مما أدى إلى تدنّي مستويات التفكير العليا لديهم، فغايتهم قول الصواب الموجود بالكتب بعد حفظه دون الاهتمام بمعرفة الافتراضات التي تضمنتها أفكار المحتوى التعليمي أو تفسيرها وتقويمها، أو استنباط أفكار أخرى، أو محاولة استنتاجها. وتدسّم هذا الضعف مما أثّر على قدرتهم في مهارات الكتابة الإبداعية المتمثلة في الطلاقة، والمرونة، والأصالة، وإدراك التفاصيل.

وفي هذا الصدد فإنني لا أذهب من القول شططا إذا زعمتُ أن الاهتمام بتحسين هذه المهارات لدى الدارسين ما زال متواضعا، حيث ما زالت بعض العمليات التدريسية تقتصر على الطرائق التقليدية التي تركّز على الحفظ والاستذكار -ولا موجب لبقائها في مظانّ التعليم-، فلم أرتضِ خلال مشاهدتي لبعض المواقف التعليمية لمهارة الكتابة اقتصار المعلم في حواره مع الطالب المجيد للغة العربية فقط، ومنحه الأولوية على باقي الطلبة، وبرأيي فإن هذا التجاهل يؤدي بهم إلى رد فعل هو التمادي في الإهمال، كذلك لم أرتضِ الإجراءات التقليدية التي اتبعها المعلم لتحقيق الأهداف المعرفية الإدراكية لمهارة الكتابة، دونما تفعيل لدور اللغة الحقيقي كونها أداة للتفكير، وما أحزنني افتقاره امتلاكَ مهارة الكيفية في إعانة متعلّم اللغة العربية الناطق بغيرها على تفعيل برامج تعلّم التفكير، والقدرة على حل المشكلات، وبطبيعة الحال فقد تَولّد عن هذه النتاجات -غير المرْضية- عدّ المتعلّم المهامَ الكتابية مجردَ تدريبات هو مُكرَه عليها، مما أثّر سلبا على مقدرته في اكتشاف أفكاره والتعبير عنها بسلاسة وإبداع.

وعليه، فإن هذه الكتابة التأملية ستقوم على الإجابة عن السؤال التالي مستعينة بمحاضرات د.سهى نعجة، وكتاب محمود الناقة (تعليم اللغة العربية: مداخله وفنياته):

- ما أثر التفكير الناقد في تنمية مهارات الكتابة الإبداعية لدى متعلم اللغة العربية الناطق بغيرها (المستوى المتقدم أنموذجا)؟

من المهم في البداية تحديد المعنى الاصطلاحي للكتابة الإبداعية، وبالعودة إلى الأدب النظري فقد أوضح محمود الناقة المقصود بالكتابة الإبداعية بأنها «التعبير الذي يفرّغ فيه الكاتب مشاعره وأحاسيسه وعواطفه وتجاربه وأفكاره المبتكرة وآراءه الجديدة وخواطر البديعة في أسلوب لغوي راقٍ جميل وبطريقة شائقة»، وأتّفق معه في هذا التعريف، فقد اصطبغ بنزعة النظر إلى ضرورة التعبير عن الأفكار والمشاعر والأحاسيس، ونقلها إلى الآخرين بأسلوب أدبي عالٍ، بقصد التأثير في نفس المتلقي، ويمكن للمتعلّم التدرّب عليها وتنميتها، وامتلاكه لها أثناء الكتابة، مما يجعله قادرا على الإتيان بأفكار جديدة تتمايز عن أفكار أقرانه، وإنتاج أكبر قدر من الأفكار المختلفة والمتنوعة غير الشائعة والقابلة للتحقق, مطوّرةً على هذا التعريف ما يخدم تأملي في قابل الأيام بأن أوجد علاقة تكاملية بين مهارات اللغة التي يمكن أن تشكل الكتابةُ الإبداعية محورا تخدمه بقية المهارات.

ووفاقا في الرأي مع ما تنادي به د.سهى نعجة (الأستاذة الجامعية للدراسات العليا في الجامعة الأردنية) من تحطيم هيكل التعلّم التقليدي، فإن التخطيط لتدريس مهارة الكتابة الإبداعية قائم على ثلاث مراحل، في المرحلة الأولى استخدمت استراتيجية الأسئلة المفتوحة التي تعمد إلى استثارة التفكير، ولها أكثر من إجابة، وللتمكن من تلك الاستراتيجية وجب عليّ معلمةً مهنيةً التفكير في صياغة الأسئلة، وتدوينها قبل بدء الدرس، وعرضها في مكان بارز في الصف، ثم طرحها للمناقشة مع الطلبة، وأثناء المناقشة المتبادلة مع المتعلّمين، معتمدةً على الأسئلة القائمة على أسلوب متعدد يهدف إلى سبر أغوار إجابات الطلبة، باستخدام الأسئلة عقب الإجابات المطروحة، مثل أسلوب التوضيح: وضح إجابتك، أو اشرح بماذا تعني بــ؟، أو أسلوب التدعيم: مثل دعّم إجابتك بالأدلة، أو ما دليلك، أو كيف قررت ذلك، أو ما الفائدة التي لديك، أو اذكر ما يؤيد إجابتك؟

وهذه الاسترتيجية تهدف إلى تعليم الدّارس القدرةَ والسيطرة على اللغة وسيلةً للتفكير والتعبير والاتصال، وهذا يتم من خلال تدريبه على مجموعة من المهارات، منها البحث عن المعرفة، وانتقاء المعلومات وتصنيفها وتنظيمها، إضافة إلى المهارات الخاصة بالإبداع.

أما المرحلة الثانية فهي استخدام استراتيجية المنهج التكاملي المشفوع بأنشطة إثرائية، والتي بدورها تساعد المتعلّم على التعرف إلى كيفية الكتابة الإبداعية من خلال استخدام الكثير من المترادفات اللفظية للتعبير عن فكرة معينة، وإيراد الكثير من الأفكار المترابطة والمتعلقة بالموضوع بطريقة مبتكرة، وتوسيعها وكشف الغموض عنها، وإيراد الصور الفنية الجديدة، واستخدام الكثير من الصيغ التعبيرية المناسبة للموضوع، وتناول الموضوع من أكثر من وجهة نظر، وإظهار المرونة في طرح الحلول للمشكلات التي يتناولها، وطرح العديد من الاحتمالات والافتراضات حول الأفكار التي يتناولها النص، وتركيب الكلمات لتكوّن منها صيغا جديدة.

وأما المرحلة الأخيرة فهي تلقّي المتعلّم التغذية الراجعة عن الموضوعات بحسب المعايير الخاصة بالكتابة الإبداعية، وتوضيح تلك المعايير له، وتعريفه أوجه الصواب والخطأ في كتاباته باستمرار، مما يتيح الفرصة له لتحسن الكتابة وتصويب الأخطاء، ولعل تقديم الموضوعات المتنوعة للكتابة أدى إلى إثارة الدافعية لديه واهتمامه بالكتابة.

خلاصة القول، فقد ارتحلتُ في التأمل في أروقة أفكار د.سهى نعجة مع أثر التفكير الناقد في مهارة الكتابة الإبداعية، فتمخّضت بضرورة توفير فرص ثرية للتعاون بين الطلبة في بناء المعرفة، إذ يسمح التفكيرُ الناقد لمتعلّم اللغة العربية الناطق بغيرها أن يفحص الأفكار ويدحض غير الصالح منها، ويعبّر بحرية عن آرائه الخاصة، ويكتسب مهارات التفاوض، وهي بالطبع مهارات ضرورية، أضف إلى ذلك الارتقاء بالمهارات الاجتماعية ومهارات القرن الحادي والعشرين، والارتقاء بمهارات حل المشكلات، وإثارة الدافعية للتعلّم، وزيادة معدلات الثقة بالنفس والإحساس بالذات.