لمياء نويرة بوكيل •

«البرد هذه الليلة لاذع، والعاصفة متوحّشة، لعلّ هذا ما كدّر نومها»، خمّن الهادي، حين عاودت زوجته مدّ ذراعها على نحو غريب، وكأنّها تحاول أن تقطف شيئاً معلّقاً في ظلمة الغرفة. «هي بلا شكّ باتت قلقة من أن تعبث أذرعُ الريح بداليتها». شجرة العنب الصغيرة، غرستها بيديها، وها سنتان مرّتا وهي لا تنفكّ ترعاها، تراقبها، وتنتظر بلهفة ظهور براعمها، «لكم هو بطيء نموّها يا ربّي»، تقول شهلة كلّ يوم، «قحط هنا، وقحط هناك»، وتشير بسبّابتها إلى بطنها الخاوي، ولكن يوم حدثت المعجزة ببطنها، أمسكت عن السؤال، وظلّت ترعى حلمها وهو ينمو في صمتٍ وشيءٌ ما بداخلها يحدّثها بأنّ هذا الجنين قويّ، خلاف الذين سبقوه، بيد أنّ، مع ذلك، ظلّ أمر خفيّ يطفو من حين إلى آخر بذهنها فيبعد عنها السكينة.

ربّت الهادي على كتفها وكرّر: «شهلة، واش بيك؟»، حين انتبهت إليه، تدفّق صوتها خافتاً: «يا هادي، حلمت بأنّ كرمتي الصغيرة أثمرت عنقودَي عنب، كبيرَين متدلّيَين. اشتهيتُ تذوّق حبّة، فمددتُ يدي وقطفت العنقود الأخضر، فرأيت يداً غريبة تمتدّ إلى العنقود الثاني، والذي صار لونه أحمر في لون الدم».

همس الهادي بصوت واثق ليبعد عنها الهواجس: «نامي يا عزيزتي وارتاحي، إنّها أضغاث أحلام، سببها أنّ صفير الريح أفزعك»، ثمّ مهّد لها ذراعه تحت رأسها الظريف، فالتحمت به وانضوت تحت جناحه، وفي رفّة هدب غشّاها خدر النوم، وسكنت يدها المضطربة تحت الدثار، كما يسكن فرخُ حَجَلٍ رقيق إلى عشّه الدافئ. أمّا هو، فقد ران ليله، وأحكمت الهواجس الشراكَ حول قلبه، وبات ينوس بعينيه بين سقف الحجرة الموشك على التداعي وبين جبل بطنها البارز من تحت الدثار، تتراءى له قشرته في عتمة الليل، هادئة حيناً، وحيناً متموّجة، حتى تكاد تنفلق عمّا بداخلها الذي يرتدّ متراجعاً إلى الداخل، فيفكّر في الرؤية العجيبة، ويحاول تأويلها، ثمّ يتذكّر شهوة الحامل، فيزفر قائلاً: «وينو يا شهلة، لَعْنِب في الليالي؟».

سكنت العاصفة، وأرسل الصبح ضوءاً هشّاً خافتاً، بدأ ينبعث من خلف أشجار الصنوبر والفلين والخرّوب التي ترصّع جبل السرج، وقف الهادي عند باب البيت مطلّاً على مدخل الدار، كان الثلج قد غطّى بمعجزته البيضاء كلّ شيء: الأرضية، التربة، الحجارة، رؤوس الأشجار والأوراق والأغصان. وكانت ندف الثلج تنثال من السماء، متهادية، لامعة تحت ضوء الصبح، كأنّما لحاء فضّة، عطايا تنثرها السماء على أرض هذه القرية الفقيرة. ولكنّ المشهد رغم روعته وندرته، لم يكن من الترف في شيء، فهو لا يزيد مهمّة الهادي إلّا عسراً، فلا بدّ له أن يتنقّل إلى مدينة القيروان، من أجل لقمة العيش وأن يخلق عنقود العنب للحامل، أسرّ الهادي في نفسه: «ماذا لو عسرت ولادتها، أو خسرت، لا قدّر الله، للمرّة الرابعة، جنيناً لطالما انتظرناه؟.

استدار إلى الداخل، فروّعه منظر زوجته المتمسمرة بزاوية الباب، بوجه يطفح حزناً، وعيون شاخصة بكرمة العنب الصغيرة، التي غطّاها الثلج بأكملها، ولفّها برداء أبيض مفزع كالكفن. ارتعب الهادي للفكرة، فذلك حتماً، ما فكّرت به شهلة. وهو أدرى الناس بها، ستستيقظ حتماً كلّ أحزانها، يتمها المبكر، وموت أجنّتها الثلاثة في بطنها بعد أشهر من الحمل، الواحد تلو الآخر، فإذا هي «تصل في كلّ مرة إلى النبع ولا تشرب»، حظّ موسوم بالفقد والموت، وهي لا تنفكّ تقاوم وتنازع ذلك ببثّ الحياة حولها في كلّ شيء، ولا تستسلم أبداً للخسارات.

نادى صوت من بعيد: «يا هادي، يا شهلة». إنّها «حدّي»، جارته، ها قد هلّت كملاك الرحمة، تنقذ لسانه المعقود، «تفضّلي خالة حدّي، مرحبا، صباح الخير». أقبلت العجوز تمشي الهوينى وقد أثقلتها الزربيّة التي تتأبّطها، وأعياها المنديل الصوفيّ الغليظ الذي كان ينزلق في كلّ مرّة عن رأسها وكتفيها، فسارع الهادي إليها، يخفّف عنها حملها ويمسك بيدها، تنهّدت قائلة: «الركبة -يا ولدي- خانتني»، فردّ على الفور ملاطفاً: «مازالت البركة يا خالة، لقد جئتِ في الوقت المناسب، امرأتي أيضاً أعدّت زربيّتها».

ألقى الهادي بالزربيّتين على كتفه، وقبل أن ينصرف، مال على العجوز، وهمساً قال لها: «خالتي حدّي، أوصيك بشهلة، حالها لا يعجب، تعرفين أنّ الفترة صعبة، و(ربّي يُسْتُر ويْوَصِّل بالسالم)»، فتمتمت الخالة بكلام سكبَ في قلبه سكينة هو في أشدّ الحاجة إليها.

كان للحقيقة، أمرُ التنقّل إلى المدينة، أشبه بالمستحيل، فالثنايا مسدودة بالثلوج، والجليد الذي تأثّر بفعل الشمس جعل الأرض زلقة ومحفوفة بالخطر، ولكن، أنّى للهادي أن يتراجع أو يتراخى؟! إنّه في أشدّ الحاجة إلى المال، فالولادة وشيكة، وسيضطرّ للانقطاع عن العمل لأيّام بسبب ذلك، فقط، ليت زوجته تلد بالسلامة، ويرى مولودهما النور، ويعمر هذا البيت بالفرحة الموعودة. «وعنقود العنب، كيف السبيل إليه؟» تساءل الهادي، فتذكّر «مدام سميرة»، تلك السيّدة الكريمة، فهي لن تردّه حين يطلعها عن السبب، لطالما فكّت ضيقه.

ظلّ ساعات ثلاث وهو ينتظر على قارعة الطريق قبل أن ينتشله نقلٌ ريفيّ كان قد ازدحم بالقرويّين. كان وهو غادٍ، متعَب النفس، ومثقل اليدين من عبء الزربيّتين، وذلك على خلاف حاله عند الرواح بعد العصر، فقد كان طيّب المزاج، ولا يشعر أبداً بثقل ما يحمل من أدباش وحلوى ولعب، بل كان يحسّ أنّ أجنحةً قد نبتت له، وبدأت تنمو وتستعجل التحليق به لشهلته الحبيبة، فلكم يتوق لرؤية بريق الفرحة في عينيها، وإلى ثغرها وهو يرسم هلاله المبتسم، كان يكفي أن يلمح ذلك في وجهها حتّى يتحوّل قلبه إلى فردوس من النعيم.

كان الهادي سعيداً رغم جسمه المنهك، فما كان يومه سهلاً، بين الطرقات الوعرة وطابور ديوان الصناعات التقليديّة، ومروره بمنزل «السيدة سميرة».يا شهلة، لك أن تفرحي يا الغالية، فقد شهد لك ديوان الصناعات التقليديّة بجودة زربيّتك، كمال عُقدها وغرزها، وأكّدوا على ذلك بأن طبعوا على قفاها بختم الجودة»، قال لها ذلك مازحاً، ثمّ أضاف يستحثّها وقد رأى الفضول في عينيها: «هيّا هيّا، افتحي الأكياس يا شهلة، افتحي وقولي فقط يا ربّ». كادت شهلة تطير من الفرح، فملابس الرضيع طيّرت عقلها، وأثارت دموعها، ورجف قلبها رقّةً ولهفاً وهي تضمّها إلى ثدييها المحتقنين اللذين يكاد يقطر لَبنُهما شوقاً للمولود المنتظَر.

بغتة، ارتسمت حيرة مفاجئة على وجهها، سألت وهي تمسح بظهر كفّها دموع الفرحة: «يا هادي، هل صرفتَ كلّ المبلغ؟ أنسيت أن تترك قدراً لمصاريف الولادة؟». فأجابها باشّاً: «لا، فالمال موجود والحمد للّه، بركات أناملك يا الحبيبة». فردّت في قلق: «إذا لم تكن قد صرفت من ثمن بيع الزربيّة، فبماذا شريتَ كلّ هذه الهدايا الثمينة؟ بماذا؟». «حسْبُكِ يا شهلة، لمَ القلق، أخبرتك أنّ المال موجود»، ثمّ أخرج رزمة من الأوراق النقديّة دليلاً على صدق كلامه، ولكنّها ازدادت قلقاً، فحدسها يخبرها بشيء ما، قالت: «قل يا هادي، من أين كلّ هذا؟».

استمعت إليه بوجهٍ ممتقع فزِع، ما كان من تفاصيل زيارته لـ«مدام سميرة»، ثمّ وقفت تنفض عنها تلك الهدايا المسمومة، وتردّها بعنف وفوضى إلى أكياسها، وانبرت تخاصمه وقد استيقظت القطّة البرّية التي بداخلها:

- كيف تقبل يا هادي هداياها، كيف؟ أنسيت أنّها كلّما بلغها حملي، تُغرقك بالهبات، وتَغرق في استعطافك بسيرة عقمها؟ ألم تُغْرِك بعمل ومأوى إنْ منحناها طفلنا؟ هل نسيت؟ كيف تنسى يا هادي، كيف؟ هل تقدّر بأنّني في كلّ مرّة كنت أفقد أجنّتي بسببك»..

- بسببي يا شهلة؟

- نعم، بسببك، بسبب الرعب الذي سكنني من شبح سرقة طفلي، بسبب أنّك رخو، متردّد، بلا كلمة حاسمة.. اسمع يا هادي، أنا لن أفرّط يوماً في شَعرة من أولادي، أموت جوعاً ولا آكل من ثديي..

ونطّت القطّة البريّة، تدفع بطنها ولا تشعر بثقله، وغادرت إلى مدخل الدار.

تتبّع الهادي خطاها مرتعباً، فرآها تمسك بقادوم، وتتّجه صوب شجرة العنب، وتهوي على جذوعها، تكسّرها بقسوة، وتسحقها وهي تردّد: «أوَليست هذه الشجرة هديّتها؟ أليست سيّدتك تنظر بعين الطمع إلى ثمرها؟ ها أنا أسحقها يا هادي، وأسحق معها طمعها وارتخاءك.. لن تُقطَف عناقيدي بغير يدي، شجرتها سوف تأكلها الأرض التي أنبتتها، أمّا شجري وثمري فهو لي، في بطني، ولن يقطف نعمتَه غيري، وطفلي هذا (وأشارت إلى بطنها المنتفخ) سيعيش يا هادي..

ثمّ رفعت سبّابتها في وجهه وأكّدت: «أقسم أنّه سيعيش». وما إن ألقت بالقادوم حتى برقت عيناها وصرخت وهي تمسك ببطنها: المخاض.

صاح الهادي بأعلى صوته: «حدّي، خالة حدّي».

• كاتبة من تونس