بسام أبو غزالة

جاءَ «شيماءَ» المخاض. وإذ لم يكن في الدارِ جذعُ نخلةٍٍ تهزُّها، هزَّت فراشَ أمِّها حتى أفاقتْها. لملمت أمُّ شيماءَ أطرافَها التي لم يزلْ خَدَرُ النومِ يُكبِّلُها، ومن غير عنايةٍ لفّت حولَ رأسِها خِمارَها، وهرولتْ من دارِها تَصفِقُ بقدميها صمتَ طرقاتِ القريةِ المستكينةِ لوحشةِ الليلِ الغارقِ في نومِه. وعلى وقع خطواتِها المرتبكةِ بسملتْ وحَوقَلتْ ولعنت اليهودَ الذين اعتقلوا زوجَها وصِهرَها قبلَ أشهر، فلم يعدْ لابنتِها، شيماءَ، من يُعنى بحملِها الأولِ غيرُها.

طرقتْ بمفاصلِ يديها بابَ أمِّ سُعدى القابلةِ، حتى إذا جاءها صوتُ حشرجةِ المرأةِ تسألُ بصوتٍ مُقتلَعٍ من جُبِّ النوم: «من في الباب؟»، أجابتْ، ولهاثُ الطريقِ لم يزل يضطربُ على لسانِها: «أنا... أمُّ شيماء!». أدركتْ القابلةُ الأمرَ، فردّت على الصوتِ بأنها قادمة فوراً. وفي عشرِ دقائقَ، ظنتْها شيماءُ من خوفِها دهراً، عادتْ أمُّها ومعها القابلةُ. وإذ كشفتْ أمُّ سُعدى القابلةُ عن شيماءَ أدركتْ أنّ حالَها لم يتغيّرْ عن نهار أمس، ولا بدَّ من أخذِها إلى المستشفى في المدينة.

لم يكنْ سهلاً في مثلِ هذا الوقت من الليل إيجادُ سيارةٍ تحملُ الولاّدةَ إلى المدينة. لكنَّ الضرورةَ حفزت أمَّ سُعدى لأن تُهرولَ إلى دارِ ابنِ عمِّها، أبي الفهد، صاحبِ سيارةِ الأجرةِ العاملةِ على الخطِّ بينَ القريةِ والمدينة. لم يكنْ أبو الفهدِ، بطبيعةِ الحالِ، ليتخلَّفَ عن مثل هذه الخدمةِ، بأجرٍ أو من دون أجر، خاصَّةً أن زوجَ شيماءَ ووالدَها كانا رهينَيْ المعتقل، وواجبُ أهل القريةِ جميعاً أن يُعينوا أهلَ بيتِهما. وإذ أبدى أبو الفهدِ خوفَه من أن توقفَهم دورياتُ جيشِ الاحتلالِ إن صادفتهم في الطريقِ قبل انشقاق الفجر، لم يجدْ بُدّاً، كعادةِ الناس، من أن يتوكّلَ على اللهِ ويمضيَ قُدُماً بركّابِه: شيماءَ وأمِّها وأمِّ سُعدى القابلة.

تحرّكت السيارةُ برفقٍ عبرَ الطريقِ الريفيّة صوبَ الطريقِ المؤدِّية إلى المدينة، بينما شدّت شيماءُ جسدَها إلى جسدِ أمِّها، ويداها تمرّان على بطنِها تحاولان مداراةَ ألمِ الطلقِ الذي يشتدُّ تارةً ثم يخفتُ أخرى. فإذا انحدرَ الركبُ صوبَ المدينةِ في الطريقِ الرئيسيةِ التي سَلِمَتْ من مطبّاتِ الطريقِ الفرعية، زادَ السائقُ من سرعته قليلاً. بَيْدَ أنّه لم يكدْ يفعلُ حتى واجهَ أمامه حاجزاً عسكرياً طيّاراً اضطرَّه إلى أن يقفَ منتظراً منه إشارةَ المرور. لكنّ الجنديَّ الذي أشارَ له بالتوقفِ لم يُحرِّكْ الحاجزَ الشوكيَّ الذي أقفلَ به الطريقَ، بل تحرَّكَ بتثاقُلِ حَذِرٍ صَوبَ السيارةِ ووراءه جنديٌّ آخرُ يحملُ رشاشاً مصوَّباً في اتجاهِ الركبِ وإصبعُه على الزناد. طلبَ الجنديُّ بطاقاتِ الهويةِ، فأعطاه إياها السائق. قرأها الجنديُّ محاولاً تبيُّنَ وجوهِ النساءِ في السيارة، ثم سأل:

- إلى أين؟

- إلى المستشفى، معي ولاّدة حالتُها صعبة.

- ىممنوع!

- قلتُ لك معي ولاّدة يجبُ أخذُها إلى المستشفى!

- ممنوع!

- أرجوك، هذه حالة طارئة!

عادَ الجنديُّ يتفحَّصُ وجوهَ ركابِ السيارةِ محاولاً مطابقتَها بالصورِ في البطاقاتِ الشخصيةِ بين يديه. وبغيرِ اكتراثٍ عادَ إلى السيارةِ العسكريةِ المتوقِّفةِ على قارعةِ الطريق، حيث تفحَّصَ البطاقاتِ مع جنديٍّ آخرَ قابعٍ في السيارة، بينما ما يزالُ الثالثُ مُصوِّباً رشاشَه نحوَ السيارةِ المدنيةِ وإصبعُه على الزناد. عاد الجنديُّ وأعاد البطاقاتِ إلى أبي الفهد، لكنه أصرَّ على أنّ المرورَ ممنوع. رجاه أبو الفهدِ أن الحالةَ لا تحتملُ التأخير، لكنّ الجنديّ أشارَ إلى ظلامِ الليل، مردِّداً قول «ممنوع!». رجته المرأتان، لكنه لم يتزحزحْ عن قول «ممنوع!»، فلما ألحّتا عليه، عاد إلى زميلِهِ في السيارةِ العسكرية، وبعد دقائقَ ثقالٍ سحبَ ببلادةٍ ظاهرةٍ الحاجزَ الشوكيَّ من نصفِ الطريقِ وأشارَ بيده للسائق أن يتحرَّك.

كانت الشمسُ ما تزالُ مختبئةً خلفَ الأفق الشرقيِّ، لكنها بدأتْ تُرسلُ خيوطَها الذهبيّةَ الأولى، فتنجلي أمامَ السائقِ معالمُ الطريقِ قليلاً قليلاً، وتتكشّفُ للناظرِ الجبالُ المكسوّةُ بأشجار الزيتون، متمتعةً بندى الفجر، متثائبةً في جمالِها العذريِّ. غيرَ أنَّ النسوةَ الثلاثَ كنَّ مشغولاتِ الفكرِ بالحالِ التي هنّ فيه. بعد حين بدأت الطريقُ تزدحمُ بالسياراتِ التي أخذتْ تتوقّفُ عن الحركة. تعوّذَ السائقُ من الشيطانِ الرجيم، طالباً السترَ من الله، ثمّ قال وعينُه على الطريق: «وصلنا حاجزَ حوّارة، الله يستر»، فردَّتْ إحدى النساء: «يا قاضيَ الحاجاتِ، يا كريمُ، يا الله!». خرجَ السائقُ من سيارتِهِ مستوضِحاً حالَ الطريق من بعض زملائه، ثم عاد يسألُ:

- هل تستطيعُ المشيَ قليلا؟

- إلى أين؟

- يا حاجّة، عبورُ السياراتِ ممنوعٌ، وهؤلاء الخنازيرُ يُصرُّونَ على قطعِ الحاجزِ مشياً.

قالت أمُّ سُعدى القابلة:

- أستغفرُ الله العظيم، أخافُ أنْ ينزلَ ماءُ الرأس إن هي مشت. خذني إلى الضابط، يا أبا الفهد، لعلي أقنعُه.

لكنها لم تستطع إقناع أحدٍ من تلكَ الصخورِ الصمّاءِ التي كانت تُغلقُ الحاجزَ أمامَ مئاتِ السياراتِ العابرة. خطرَ ببالِ السائقِ أن تركبَ شيماءُ في إحدى عرباتِ نقلِ الحقائب، فنادى على أحدِ الصبيةِ الذين يجرّون تلك العربات. ساعدت المرأتان شيماءَ على صعودِ العربةِ التي ما إنْ أخذ الصبيُّ يجرُّها عبرَ الحاجز، حتى انقضّ عليه جنديٌّ بدا وكأنَ أفعىً لدغتْه، وصاح فيه بلغةٍ مُكسَّرةٍ: «روخ من هون! روخ من هون! ممنوع! ممنوع!». حاول أبو الفهد عبثاً شرحَ الحالةِ للجنديِّ الذي أصرَّ أنّ على النسوةِ الثلاثِ أن يعبرن الحاجزَ من مكانِ عبورِ المشاة، أي مشياً على الأقدام.

أخذ الطلقُ يشتدُّ على شيماءَ، بينما كان أبو الفهد وأمُّ سعدى يجريان عبثاً هنا وهناك علّهما يعثران على ضابطٍ يسمحُ للمسكينةِ أن تعبرَ الحاجزَ بالسيارة أو، على الأقلِّ، بعربةِ الحقائبِ إلى الجهةِ الأخرى. تذكرتْ أمُّ سُعدى حالَ شيماءَ فعادت لها مُهرولةً وتركتْ أبا الفهد وحدَه يبحثُ عن مخرجٍ لهذه الأزمة. زاد الطلقُ شدةً، فأدركت القابلةُ أنّ الوِلادةَ باتت قابَ قوسين أو أدنى. فإذا تدفّقَ ماءُ الرأس فجأة، عقدت عزمَها على أن تولِّدَها في السيارة حيث هي. صرخت شيماءُ صرخةً كتمتها بخمارِها، بينما كانت أمُّها تُمسك بيدِها وتمسحُ على رأسِها وهي تقرأ ما تيسّر لها من آياتٍ وأدعية، وأمُّ سُعدى القابلةُ تتحسَّسُ رأسَ الوليدِ الذي بدأ يخرجُ من بطنِ أمِّه. أخيراً اكتمل خروجُ الوليد، لكنَّ نزفاً حادّاً أعقب الولادةَ، فارتبكت لغزارتِه أمُّ سُعدى، وهو ما كانت تخشاه لو ولّدت شيماءَ في دارِها. قلبتْ الوليدَ ممسكةً به من قدميه، ثم لفَّتْ جسده بمنشفةٍ أحضرتها معها احتياطاً، ودفعت به إلى جدته لكي تتفرَّغَ هي لمساعدة شيماءَ في نزفها. زاد النزفُ فزاد ارتباكُ أمِّ سُعدى. تلفّتت حولها علّها تجدُ شيئاً توقفُ به النزف، فلم تجدْ أفضل من المنشفة التي لفَّتْ بها جسدَ الطفل الوليد. أخذتها من على الطفلِ وأشارت على أمِّ شيماءَ أن تلفَّ الطفلَ بشيءٍ آخر. حاولت أن تسدَّ بالمنشفةِ موضعَ النزف، فخفَّتْ حدّته. لكن شحوباً واضحاً بدا على وجهِ الصبيّة التي ارتخَى جسدُها وأخذت تغيبُ عن الوعي، وأمُّها لا تملكُ غيرَ الاستجارةِ بربِّها والاستعاذةِ به من اليهود والشيطانِ الرجيم. كذلك، لم تجدْ القابلةُ غيرَ كلماتِ التشجيع للولاّدة. لكنها لم تستطعْ الخلاصَ من التوتر الذي اعتراها لغزارةِ النزفِ وشحوبِ وجهِ شيماءَ.

بعد قليل عاد السائقُ أبو الفهد بخفَّيْ حنين، معلناً عن ذلك بحركاتِ يديه. وإذ تبيَّنَ له ما وقعَ في غيابه، حوقلَ ما استطاع، وأسقط على اليهودِ ما أوتيَ من شتائم، ثم لم يجدْ هو والقابلةُ سبيلاً إلّا العودةَ إلى القريةِ. فأدارَ محرِّكَ السيارة وقفلَ راجعاً بمن معه من حيث أتوا. دخلَ الركبُ القريةَ، فامتلأتْ مسامعُهم بصياحِ الديَكة وثغاءِ الغنم. صرخَ الطفلُ الوليد بدورِه، فصحت أمُّهُ من غيبوبتِها وبحركةٍ غريزيةٍ ألقمته ثديَها مبتسمةً للقادمِ الجديد. هبط الفلاحون من دورهم كما كانوا يفعلون قبل ألفِ حولٍ وحول، مُعيدينَ الحياةَ لقريتِهم التي تدثَّرتْ بالنوم، بينما انشغلَ على الحواجزِ جنودُ الاحتلالِ في إعاقة حركةِ البشر المتدفِّقةِ كالسيلِ الذي لا يتوقف.