سيد محمود حسن

لا يمكن تخيل القاهرة بدون مقهى، أو هكذا أظن فهي واحدة من مدن عربية قليلة نهضت من أفق الحكايات ذات الطابع الأسطورى، واستمدت جوانب من ألقها، استنادا إلى صور متعددة كان المقهى فيها أحد أبرز العلامات التي تشير إلى أنها أقامت تاريخها على (هبة التعددية) وهذه الهبة يراها المعنيون بشؤون العمارة السمة البصرية الأبرز للقاهرة التي اعتزت دائما بقدرتها على امتلاك (هوية مرنة) تستوعب الجميع.

ولا أحد بإمكانه اليوم أن يعرف ما إذا كانت القاهرة مدينة «سعيدة أم تعيسة» ؟! فظاهر الأشياء يشير إلى أن التاريخ عاملها بكرم بالغ، وأتاح لها ما لم يتح لغيرها من المدن المجاورة. لكن هذه الإتاحة اقترنت بحالة من حالات (الاستباحة)، عرَّضت المدينة لدورات متعاقبة من التشوه، صعبت كثيرا من فرصها في التعافي، وجعلت التاريخ يتجلي كعبء وليس ميزة فريدة.1

وفي الخمسين عاما الأخيرة لم تصمد المدينة أمام موجات التغيير المتعاقبة، وعانت من زيادة سكانية مطردة غيرت بالضرورة من سلوكيات الناس ووعيهم بالمكان الذي بدأ يتعرض هو الآخر لاستباحة منظمة تجلت بوضوح في المحيط التجاري لمركز المدينة المسمي بـ«وسط البلد» وتتابع حتي بلغ «مدن الصحراء» التي التفت حول معصمها .

وعبر تغييرات متلاحقة وسريعة، تم انتهاك هذا الفضاء الساحر لوسط القاهرة، فبعد أن غمر رأس المال الطفيلي المدينة سعي لهزيمتها على أكثر من صعيد، لكن الأمر الواضح أنه ربط قدرته في التوسع العشوائي بنزعة انتقامية واضحة، سعت قدر الطاقة للتخلص من الماضي بكل إرثه المتنوع.

واتسعت المسافة بين ما كانت المدينة تملكه من قيم، وما تعيشه من «واقع» قبيح لم يكن بمعزل عن تخاذل الدولة، الأمر الذي رشح القاهرة للانضمام – في رأيي- لطائفة (المدن المعاقبة)، حيث فقدت إلى - جانب هويتها البصرية - القدرة على الاحتفاظ بفضاءاتها العمرانية المميزة وتسابقت علاماتها في التداعي، مثل «قطع دومينو» وكان المقهى من أبرز تلك القطع التي تراجعت أمام صعود «الكوفي شوب» الذي كان ظهوره علامة بديلة وإشارة دالة على تحول اجتماعي وثقافي وعمراني شامل خلقته سمات ما بعد الحداثة التي اكتسبتها المدينة مع تنامي شقها الاستهلاكي، متمثلا في صعود ثقافة « مراكز التسوق» أو «المولات». وفي هذا العالم الجديد أصبح الشعار السائد : « أنا أتسوق، إذن أنا موجود « وبدا الشراء هو التعبير المثالي عن الهوية، انطلاقا من قول شائع هو : « أنت ما تشتريه». وبدلا من التسكع في مدينة حقيقية وشوارع ممتدة أصبحت المتعة هي التسوق داخل فضاء عمراني مغلق .

من ناحية، بدأت عبر هذه المراكز عمليات خلق الماضي بشكل حنيني وتشوقي بوصفه شكلا لواقع بديل، واستدعاء لصورة تمتلك سحرها. لذلك بدأت عملية نسخ لأسماء ورموز منتمية لهذا الماضي المكرس كماض جميل، حيث تتكرر مسميات (مقاهي الحرافيش، أو الفيشاوي، والسكرية، وليالي الحلمية) في الفضاءات الجديدة.

ولنا أن نتخيل كيف غذت ثقافة عصر الاتصالات، وواقع العالم الافتراضي من تلك النزعة الاستهلاكية التي جعلتنا ندفع أموالا لنتسلي باستهلاك تجارب وخبرات غير جديدة، ولم يعد يوم العطلة تقليديا سوي مناسبة لزيارة تلك المراكز أو (الكاتدرائيات الاستهلاكية) وفق تعبير فالتر بنيامين، وأصبحت مواقع أساسية لقضاء وقت الفراغ، ويكفي معها القيام بالرحلة دون حتي حاجة للشراء، ولعل السمة الأوضح لهذا التحول هي نزع سبل الارتباط بعادات الماضي كلها بحيث «لم نعد نتوافق مع تقاليدنا المهنية القديمة واخترنا بدلا من ذلك البحث عن أسلوب حياة جديدة ( لايف ستايل) والانتقال من الجوهر إلى الأسلوب، وأصبح هذا المصطلح رمزا للفردية أكثر من أي شيء آخر .2

ومن الصعب اليوم حصر عدد المراكز التجارية التي ظهرت في القاهرة خلال العشرين عاما، وإن كان بالإمكان تقديم إشارات دالة على ميلادها، فقد كان مركز اليمامة سنتر بالزمالك هو أول مركز تجاري يظهر في عام 1989، وكان ظهوره في فضاء تقليدي ينتمي للمدينة القديمة أمراً عاديا، مثله مثل المركز التجاري الثاني وهو البستان الذي ظهر في عام 1991 في قلب وسط المدينة أو القاهرة الخديوية وفيما يعيش هذان المركزان وضعا بائسا لوجودهما في المدينة القديمة تزدهر مراكز تجارية أخري تتناسل على أطراف القاهرة في هوامش المدن والتجمعات الجديدة المنسجمة مع هذا الوضع الاستهلاكي، مثل الشيخ زايد و6 أكتوبر والتجمع الخامس .

وفي دراستها المتميزة المعنونة: «خرائط جغرافيا القاهرة للمستهلك»3، تنقل مني أباظة ثلاث إشارات واضحة على ما أحدثته تلك المراكز في تغيير العلاقات الاجتماعية والإسهام في تشظيها تعبيرا عن نمط من الاغتراب ينسجم مع ما تطرحه ما بعد الحداثة على هذا الصعيد. وكما تقول «الغربة والوحدة في هذا المكان، كانت ملهمة لإعادة ابتكار الفراغات الحضرية، واستعادة ما طرحه المنظِّر الألماني البارز، فالتر بنيامين، عن التسكع في أبعاده المتعددة» .

وفي تصوري أن ظهور المقهى في أوروبا بشكله القديم (مقاهي الرصيف) لم يكن سوي استجابة لفكرة التجول (التسكع) في المدينة التي خلقتها عملية إعادة تخطيط المدن في القرن التاسع عشر، ففيما كتبه بنيامين عن تجربة شاعر، مثل شارل بودلير، ثمة تأكيد على صحة هذا الارتباط، فمع ظهور عمارة «البواكي» داخل العمارة الفرنسية اصطفت المحلات التجارية وأصبح كل رواق تجاري هو مدينة أو عالم مصغر بتعبيره، ففي هذا العالم يكون المتسكع في داره، فهو يصبح «المقام الأثير للمتنزهين والمدخنين، والملاذ المفضل لكل أنواع المهن الصغيرة، فالكل هنا يحصل على الدواء الناجع لذلك النوع من السأم، ولذلك فإن بودلير يقول «أي شخص يستطيع السأم داخل زحام هو أحمق»، وبالتالي يصبح الشارع مسكنا للمتسكع الذي يشعر وهو بين الواجهات أنه في داره، بينما تكون شارات المحلات البراقة معادلة في جودتها كإطار لـ«اللوحات التصويرية» بالنسبة لبورجوازي في صالونه، والجدران هي الطاولة التي يستند إليها وشرفات المقاهي هي بلكوناته التي يطل منها على أهل بيته»، أو كما كتب بودلير: «إن متعة الوجود في زحام هي تعبير غامض عن بهجة ناتجة من تضاعف الأعداد» .

وعبر أشعاره المستمدة من تلك الحالة تحدث كثيرا عن حالة الانتشاء الديني للمدن الكبري وعن لعنة من يعيش في العاصمة، وكذلك عما سماه «دعارة روح السلعة» تعبيرا عن كينونة جديدة يكتسبها المتسكع في قلب السوق حيث يصبح الشخص سلعة لأنه « قوة عمل» أيضا، وبالتالي ليست به حاجة إلى أن يحدد هوية نفسه على أنه سلعة، وإنما يتعين عليه أن يترك الزحام يؤثر فيه، وداخل الزحام تمارس الطبيعة حقها في المدينة. 4

وكما تشير أباظة «لا تقوم مراكز التسوق فحسب بإعادة خلق الهوية، ولكنها تقدم مكونا مستقلا لتشكيلها، وهناك دراسات كثيرة تحاول تفسير الربط ببن الشخصية العرقية والاستهلاك، من خلال الاستخدام المختلف للأماكن العامة، وموضع للهويات الاستهلاكية والممارسات الثقافية للتسوق. ففي عام 2003 كانت القاهرة تملك 24 إمبراطورية مِن إمبراطوريات الاستهلاك في المراكز التجارية التي وفدت لمصر ضمن أنماط من المحاكاة أوجدتها تجربة هجرة واسعة للمصريين سواء للغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، أو الاستقرار في الخليج» .

ومما لاحظته دراسة أباظة ويمكن مراقبة انتقال تأثيره لـ «الكوفي شوب» داخل هذه المراكز أن أصحاب هذه المحال أو العاملين فيها لديهم أدوات لفرز العملاء وتقسيمهم طبقيا، عبر الإصرار على الإفراط في التحدث بمفردات أجنبية تم إقحامها على اللغة العربية، كما يتحدث آخرون عن زبائن «ستايل» لوصف جمهور الأثرياء الذي يرتاد هذه الأماكن مقابل جمهور العامة من «الدهماء». 5

وبفضل نمو الأماكن العامة الجديدة التي تيسر من وسائل الاستهلاك بدأت الحاجة لخلق فضاءات للتفاعل الاجتماعي تعبر عن أفراد يمثلون طبقات مختلفة، فهذه المراكز بطبيعتها ترفع مستوي الطموح والآمال في نفس الوقت الذي تزيد فيه من مشاعر الإحباط، فمن المفارقات الدالة أن ثقافة الاستهلاك، كما يقول المنظِّر ما بعد حداثي الفرنسي، جان بودريار، «تؤدي إلى تحقيق التنمية، لأنه في نهاية المطاف ينتج عنها الفقر والغني معا، وبنفس الدرجة من السرعة».

وكما أوجدت واجهات المحلات في باريس القرن التاسع عشر دورا للمقهى أوجدت المراكز التجارية نمطا معاصرا للمقهى هو «كوفي شوب» التي يبقي فيها الذكور غالبا لقضاء الوقت بالتدخين أو التسلية بالأحاديث، بينما تذهب النساء للمحلات بغرض الاستهلاك.

وإذا كانت مقاهي القاهرة الخديوية على الطراز القديم ولدت لمحاكاة النمط الغربي الفرنسي تحديدا فإن مقاهي الألفية الحالية لم تعد فيها فرنسا هي معيار وأداة القياس بفضل حمي الاقتداء بالنموذج الأمريكي، وتدريجيا أصبحت هذه الفضاءات متنفسا للشباب. فهي لا تسمح بالاختلاط بين الجنسين فحسب، وإنما تضمن أن يتم ذلك في إطار ضوابط، وتتيح مساحة لخلق صداقات دون توجس، وربما تشجع على الشعور بأننا في عالم أفضل. 6

ومن ناحية أخري تمنح هذه الأماكن لمرتاديها مسحة من الديمقراطية الاجتماعية عبر التخيل بأننا يمكن أن نختلط كأنداد، لكن الواقع لا يشير إلى أنها تتيح ذلك تماما. فهي أيضا واحدة من ساحات «الفرز الطبقي» حيث تبدو غالبية هذه المقاهي مستمدة من نظير غربي أو أمريكي مثل وأصبح ارتيادها شكلاً من أشكال التمايز الاجتماعي من ناحية ووسيلة من وسائل الاندماج مع الثقافة الغربية من ناحية أخري.

الملاحظ أن أغلب تلك المقاهي تضع قوائم للمشروبات والأطعمة باللغة الإنجليزية فحسب. وفي أحسن الأحوال، فإن اللغة المستخدمة هي لغة هجين مما يعطي إشارة ضمنية لرغبة ملاكها في مخاطبة نوعية معينة من العملاء والزبائن.

ومما تلاحظه أباظة أن نمو هذه المساحات في الأحياء التقليدية ارتبط بصعود حركة «الدعاة الجدد»، وفي سياق ما تسميه حركة «أسلمة» الأماكن العامة التي جرت في تسعينيات القرن الماضي مع صعود الحركات الإسلامية، وتزامنت وانتجت استراتيجيات جديدة اتخذت أنماطا سلوكية تقوم على تخفيف التشدد في القواعد بين تجمع الشباب ضمن إطار المرجعية الإسلامية.

ومما يمكن إضافته في هذا السياق أن تغييرات سوق العمل في مصر في الآونة الأخيرة أوجدت فئة من القادرين على ممارسة أعمالهم عبر الإنترنت، دون حاجة لدوام وظيفي ثابت، سواء من داخل المنزل أو من داخل الكوفي شوب الذي يوفر خدمة الإنترنت عادة مما يجعل المقهى المعاصر بديلا أرخص من المكتب، والأعباء التي تستتبع تجهيزه.

مما رصدته الباحثة في معهد هولندا الملكي لدراسات منطقة جنوب آسيا والكاريبي، الهولندية آنوك دي كونينج، التي كانت تعمل على إنجاز رسالة دكتوراه من جامعة أمستردام عن «أحلام العولمة، المكان والطبقة في القاهرة: «إن تلك المقاهي الراقية يمكن عَدَّها ظاهرة حديثة نشأت مع الألفية الثانية، لكنها بالرغم من حداثتها أصبحت جزءا من الروتين شبه اليومي للكثير من شباب الطبقة الوسطي العليا في القاهرة، ويشار لهذه الأماكن بـ«الكوفي شوب» تمييزا لها عن المقاهي «البلدي» التقليدية، وهذه المقاهي الحديثة هي أيضا بخلاف كونها نقطة لقاء، فهي علامة اجتماعية على انتماء معين، وبفضلها بزغت «ثقافة جديدة» للتنزه، وبفضلها أيضا أتيحت للنساء والفتيات فرصا للبقاء لفترة أطول خارج البيت. وكان «حضور النساء أو الفتيات في تلك المقاهي هو أحد الملامح المذهلة للحياة الاجتماعية الجديدة المختلطة، التي لاحظتها كونينج، بينما كان الأمر مختلفا في الماضي، حيث كان وجود النساء في الأماكن العامة يحاط دوما بعلامات التحفظ والاعتراض، وأحيانا إثارة الشكوك.7

وقد أتاحت تلك الأماكن للنساء فرصة لإتاحة حياة اجتماعية خارج العائلة، ونجحت كذلك في إرساء مشاعر الانتماء لعالم خاص تفادت فيه الارتباط بنمط الترفيه غير المقبول، فعدم وجود مشروبات كحولية أبرز «كوفي شوب» كفضاءات اجتماعية آمنة للتواصل الاجتماعي بين الجنسين.

وتستكمل آنوك دي كونينج ما لاحظته مني أباظة بشأن دلالة استخدام لغة أجنبية أو لغة هجين داخل هذه المقاهي بحسبانه دلالة على وجود شرخ عميق داخل ممثلي هذه الطبقة التي تريد عزل نفسها عن البيئة المحيطة، سواء عبر السكن في المنتجعات، أو التحصن داخل مساحات مغلقة حتي في لحظات التنزه وتزكية الوقت ويزيد من هذا الانطباع وجود نظام «الحد الأدني من المشروبات» minimum charge، وهو وسيلة زجر وإبعاد وانتقائية طبقية تسهم في تحديد وصناعة «سمعة المحل ».

الهوامش:

1 ــ من مقال للكاتب بعنوان « المتشبثون بالإقامة» ضمن كتاب مصور تحت الطبع لصالح شركة الإسماعيلية.

2 ــ دليل ما بعد الحداثة، الجزء الأول ما بعد الحداثة وتاريخها وسياقها الثقافي، تحرير ستيورات سيم / ترجمة وجيه سمعان 2011، ص 88.

3 ــ القاهرة مدينة عالمية..عن السياسة والثقافة والمجال العمراني، شرق أوسط جديد في ظل العولمة، تحرير: دايان سينجمرمان، وبول عمار: ترجمة: يعقوب عبد الرحمن، المركز القومي للترجمة ٢٠١٥ ، ص 390.

4 ــ فالتر بنيامين، شارل بودلير شاعر غنائي في حقبة الرأسمالية العليا، دار ميريت، 2004، ترجمة أحمد حسان، ص 35 ومابعدها

5 ــ دايان سينجمرمان، وبول عمار، القاهرة مدينة عالمية..عن السياسة والثقافة والمجال العمراني، مرجع سابق، ص 393.

6 ــ المرجع السابق، ص 369.

7 ــ المرجع السابق، ص . 403

الأهرام - مجلة الديمقراطية