محسن البلاسي

الفوتوغرافيا ما قبل السوريالية

“ها نحن هنا في مصر في أرض الفراعنة، أرض البطالمة، مملكة كليوباترا. ها نحن هنا؛ نلتزم، ونحلق رؤوسنا نظيفة مثل ركبتك، ونُدخن أنابيب طويلة ونشرب قهوتنا مستلقين. ماذا الذي أستطيع قوله؟ كيف يمكنني أن أكتب لك عن ذلك؟ لقد تعافيت بالكاد من دهشتي الأولية... منظر أبو الهول «أبو الخوف» والرمل والأهرامات، كل ذلك رمادي، والسماوات زرقاء زاهية، النسور تدور ببطء في دوائر حول قمم الأهرام. نتوقف أمام تمثال أبي الهول، وهو يثبت نظرته الشريرة إلينا. يتحول مكسيم إلى اللون الأبيض كملاءة، وأخشى أن تدركني الدوخة، وأنا أحاول استعادة ملكاتي في التحديق بهدوء”

«جوستاف فلوبير 1850، عن رحلته وزميله الصحفي والمصور الفوتوغرافي مكسيم دو كام إلى مصر».

في 1849، بدأ الروائي جوستاف فلوبير وصديقه الصحفي والمصور الفوتوغرافي مكسيم دو كام رحلتهما الاستكشافية إلى الشرق، واستغرقت هذه الرحلة عامين من توثيق الثقافات القديمة في بيئتها الطبيعية، جوستاف بالقلم ومكسيم بالكاميرا الشمسية؛ وهي بداية حقيقية لتصوير الرحلات بالتزامن مع موجة الرومانسيين في أوروبا في تطوير أدب الرحلات، إذ بدأ التصوير الفوتوغرافي قبلها بعشرين عامًا فقط، وقد التقط مكسيم دو كام نحو 60 صورة في مصر فقط. وقتها كانت عيون كل فناني وكتَّاب الحركة الرومانسية في أوروبا تتحول إلى الشرق سعيًا إلى ترك الحدود التي بنتها النظم الإقطاعية في القارة العجوز. وكانت الصور التي التقطتها مكسيم دو كام لمصر وأرسلها فلوبير إلى والدته وابنة أخيه وعدة أصدقاء من القاهرة بداية مسيرة التصوير الفوتوغرافي في مصر.

منذ بدئها في منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين كانت مصر المصورة في مركزية حركة تطور التصوير الفوتوغرافي في العالم، فتاريخ الفوتوغرافيا في مصر في حد ذاته يوثق توثيقًا مهمًا لبداية تاريخ الفوتوغرافيا العالمية في خط متوازٍ لا ينفصل. منذ البداية تخطى التصوير في مصر حدود الصورة إلى التوثيق الفني والتاريخي والاجتماعي للعلاقة بين الشرق والغرب، وقد وصل الأمر إلى حد كون مصر من أكثر الأماكن المصورة فوتوغرافيًّا في القرن التاسع عشر، وتمتلئ متاحف العالم بالأعمال الفوتوغرافية التي صورت فيها في القرنين 19 و20. هذا بشأن بداية الفوتوغرافيا؛ أما السورياليون فقد كان لهم رأي آخر، وتوجهات فنية غير تقليدية؛ فقد ضم المشهد الفني السوريالي في مصر فوتوغرافيين – معظمهم من أصول غير مصرية – منهم من بقى ذكره، ومنهم من توارى، وهنا؛ في أرشيف مدينة نرصدهم ونتعرف إليهم...

الفوتوغرافيا السوريالية

آيدا كار

“أولئك الذين يعيشون على الكاميرا سيموتون بواسطة الكاميرا“...

كان من بين جماعة الفن والحرية السوريالية المصرية أو من عاصروها واحتكوا بها في مصر في الثلاثينيات والأربعينيات مجموعة من المصورين الفوتوغرافيين السورياليين الذين لم يُسلط الضوء على إنتاجهم أو وجودهم

ملكون كاراميان

في مصر زمن الشتات الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، ومن بينهم آيدا كار.

في 1908 ولدت آيدا كار لعائلة أرمينية تقيم في تامبوف، روسيا، وحين بلغت الثامنة انتقلت العائلة إلى إيران وأقامت فيها خمس سنوات، قبل أن ينتقل ملكون وأناهيت كاراميان وابنتهما آيدا كار إلى الإسكندرية، حيث عمل

ملكون في التدريس ودرست آيدا في مدارس الليسيه الفرنسية. كان ملكون كاراميان مصممًا على أن ابنته الوحيدة يجب أن تكون لها مهنة، وفي عام 1928، شجعها على السفر إلى باريس، لتتلقى دراسات في الطب والكيمياء. لكن أي نوع من الأطباء قد تكونه آيدا كار! وطبعًا سرعان ما تخلت عن دراستها لتتفرغ لدروس مكثفة في الغناء والكمان.

وفي 1933 عادت المصورة إلى عائلتها في مصر بعد رحلة تسكع بوهيمية ودراسات في باريس بدأتها في 1928، وفيها اقتربت من الأوساط الثقافية والأدبية والفنية في باريس، وتأثرت بالتيارات الطليعية الفنية السائدة. وسرعان ما ارتبطت بصداقات مع ريف جوش وبيت موندريان، وتعرفت على سوزان ديمسنيل، وهي امرأة تقدمية وموسيقية ماهرة أصبحت فيما بعد زوجة لصمويل بيكيت.

آيدا كار

كما اقتربت من الشيوعيين الفرنسيين والحركة السوريالية في باريس، وعملت مساعد مصور في استوديو المصور هاينريش هايدرزبيرج، بعدها أصبحا حبيبين يتقاسمان شقة في شارع بيرييه في مونتروج. وحضرت العرض الأول الخاص لفيلم لويس بونويل وسلفادور دالي (كلب أندلسي) في استوديو 20 في شارع دو شاتو.

لا شك في أن اهتمام آيدا بالفوتوغرافيا حفزته سنواتها الأولى في فرنسا، وقد أعطتها زياراتها المتكررة للمعارض الفنية والمكتبات والسينما رؤى مهمة حول المبادرات الثقافية الأوروبية.

بعد عودتها إلى مصر رفضت آيدا نمط الحياة البرجوازي لعائلتها وأصدقائها، ولكنها لم تتمكن من تحديد الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه. وقد حالت المشكلات الحادة التي أصابت صوتها دون مواصلة حياتها المهنية الغنائية، ومرت بقصص حب فاشلة جعلتها يائسة من استعادة السعادة التي عثرت عليها في باريس. وبعد الحرية التي عاشتها فرنسا، واجهت القيود الأخلاقية للمجتمع الأرمني من الطبقة المتوسطة في مصر.

من منزل والديها كتبت في عام 1934 “هذا الوجود هزمني تمامًا؛ لقد كان صوتي في حاجة إلى رعاية خاصة، لكنني لم أكن أملك القلب الكافي لرعايتي. لقد عانيت من الاشمئزاز العميق من الحياة. وإذا بقيت في هذا البلد الرجيم، ربما لن أحب مرة أخرى... حياتي حزينة جدًا، وأنا أقضي أفضل سنوات حياتي مثل خادمة قديمة“.

بعدها قررت آيدا الاتجاه مجددًا للتصوير الفوتوغرافي، فاندمجت في الأوساط الثقافية والفنية في الإسكندرية، وفي نهاية الثلاثينيات تعرفت إلى المصور إدموند بلالي وقررا أن يفتحا معًا ستوديو باسم “آيدابل“، وذلك قبل أن تربطهما قصة حب انتهت بزواجهما وانتقالهما إلى القاهرة وإقامتهما في الستوديو. وإدموند بلالي مصور هاوٍ شديد الحماسة ومسؤول حكومي مصري. ووفقًا لروايات آيدا عن استوديو آيدابل، فإن الاستوديو كان فنيًّا خالصًا، إذ أعيد التقاط الصور التقليدية برؤية مختلفة، وزيِّن الستوديو على الطراز الحديث، ووضعت آيدا زهرة واحدة طويلة في مزهرية أنيقة في مدخله.

وقتها اقتربت آيدا من إقبال حامد العلايلي زوجة جورج حنين وحفيدة الشاعر أحمد شوقي وابنة وكيل مجلس النواب، وكانت إقبال بوابتها إلى الجماعة السوريالية المصرية، وقد اشتركا في معارض سوريالية في القاهرة؛ إذ كان لجورج حنين وإقبال العلايلي (زوجته) محاولات تصوير فوتوغرافية، وربما أشهرها صورة جورج حنين لجولبيري أفلاطون، بالإضافة إلى صورة إقبال العلايلي التي التقطتها لحنين على قضبان القطار، ولعلها من أكثر الصور الفوتوغرافية شهرة في القاهرة. وفي السادسة والثلاثين تطلقت آيدا كار من إدموند بلالي ثم تعرفت إلى فيكتور موسجريف؛ وهو شاب إنجليزي موهوب بشكل استثنائي؛ شاعر وتاجر تحف فنية وناقد محبوب من كل الأوساط الأدبية القاهرية، ويعمل في سلاح الجو الملكي البريطاني، وقد تحابا ثم تزوجا، وأقاما معًا في القاهرة بمنزل ساحر في درب اللبانة حتى نهاية الحرب الثانية عام 1945 قبل أن ينتقلا إلى لندن. كان فيكتور موسجريف – (1919-1984) شاعر وتشكيلي بريطاني رائد– قريبًا من جماعة الفن والحرية ومولعًا بإنتاجها.

آيدا كار وفيكتور موسجريف

المعرض الثاني للفن الحر

أما جماعة الفن والحرية فقد بدأت تتبنى إنتاج مصورين الفوتوغرافيا السورياليين منذ المعرض الثاني للفن الحر الذي أقيم من 10 إلى 25 مارس 1941، في عمارة الإيموبيليا. في ليلة 10 مارس 1941 جاء زوار المعرض الثاني للفن الحر إلى عمارة الإيموبيليا وظلوا يتساءلون في دهشة: هل سيتم الافتتاح هنا في هذا الممر، في ظل هذه التشطيبات وأعمال الطلاء؟ وما هذه الأواني المتناثرة والمطلية بالجير؟ وما تلك الكفوف السوداء التي تلطخ الحائط حديث الطلاء؟

عن هذا المعرض كتب الرسام البريطاني تراكير “كانت اللوحات معلقة على حوائط منتصبة بطريقة مربكة، هنا وهناك علقت شرائط لصق سوداء وبعض الصور علقت بمشابك غسيل على حبل مشنقة، هنا وهناك رأيت خليطًا من صور وصحف مقطعة في تصميمات لا معنى لها على الأقل بالنسبة لمبتدئ مثلي ومثلك، هناك بعض رسوم صبيانية للآنسة شحاتة، على حوائط التيه تدلت أقنعة مضحكة عملها أبو خليل لطفي. ومشاركات

كتالوج المعرض الثاني للفن الحر

رمسيس يونان عبارة عن مجموعة من أجزاء تشريحية تشبه الهراوات، عندما رأيت قماشًا نظيفًا وقصاصة ورق معلقة في مسمار قلت لمرافقي إن هذا نحت بارز لكلب يطارد حصانًا، وقد أعجبوا بمعقولية هذا العنوان“. وقد شاركت مدام هاسيا في المعرض للمرة الأولى كمصورة فوتوغرافية، ومن أشهر أعمالها: اللعب مع المسخ و«فتاة»، كما صوَّرت كتاب الرسام الفرنسي التكعيبي أندريه لوت عن مصر. وتكمن أهمية المعرض الثاني للفن الحر أن كتالوج المعرض حمل غلافه بيانًا لجماعة الفن والحرية بعنوان الفن الحر في مصر، وهذا نصه...

لكي يقوم الفن الحر برسالته في مصر لا بد له من هذه الأسس الثلاث:

أولًا: الرد على تلك الموجة من التصوير الكلاسيكي المحافظ الذي لا يخجل من سوء مستواه المضمحل، ولا من جماله البشع، ولا من تعريته تلك الطبقة من نسائه المحترمات. ونرى من واجبنا هنا التصريح بأن أقل إعلان جزم أمريكاني يؤثر في الناس أكثر مما تؤثر فيهم كل صور صالون القاهرة السنوي.

إن العذر الوحيد لمنتجي هذه الصور من الفنانين هو أنهم لا يرسمونها إلا لمجرد تمضية أوقات فراغهم. لن يفهم هؤلاء التعساء وليس لهم أي نصيب من الفهم ليدركوا أن التصوير ما هو إلا طريقة للتفكير وللحب وللبغض وللعيش.

ثانيًا: إثارة التعجب في أذهان الجماهير، ذلك التعجب الذي يقولون إن لا داعي له لأنه كثيرًا ما يكون مقدمة لإثارة الوعي النفسي ولبعض الانقلابات الفردية والاجتماعية.

إن أكثر الناس حتى الآن تسلم بأن مسائل زمنهم الحيوية تحل بطريقة ما دون أن يبدوا أي دهشة لذلك، هل لم يكن في الإمكان أن تعرض طريقة الحل هذه بصورة أخرى غير التي عُرضت بها؟

بين مفاجأة وأخرى يمكن بسهولة إحياء غريزة التعجب الصبيانية التي لا حد لها. ومثال ذلك: ليه الدنيا معمولة كدا؟ ومين اللي عملها؟

ثالثًا: ربط نشاط شباب الفنانين في مصر بتلك الدائرة الكهربائية الواسعة التي يتكون منها الفن الحديث... ذلك الفن العاطفي العاصف الذي لا يخضعه أي أمر مهما كانت صيغته الرسمية أو الدينية أو التجارية... ذلك الفن الذي نحس بنبضاته القوية في نيويورك ولندن والمكسيك، حيث يكافح فنانون أمثال دييجو ريفيرا وولفجانج بالن وإيف تانجي وهنري مور. وفي كل مكان من العالم يكافح رجال لا يتطرق اليأس إلى قلوبهم لتحرير التفكير الإنساني تحريرًا مطلقًا.