ذات يوم وحين أنهيت الصف الرابع, بمعدل ممتاز, طلبت من أبي أن يشتري لي :(زميرة).. أتذكرها جيدا كانت بيضاء، وتشبه (زميرة) حكام كرة القدم، وصوتها هادر...وقد علقتها في صدري..

ولأن العطلة الصيفية, مساحة من الوقت.. ننفس فيها بالشغب واللعب, أمضيتها فوق سطح منزلنا.. أمارس فنون (التزمير), فكلما مرت صبية من الشارع (زمرت) لها.. وكلما مرت عجوز فعلت نفس الشيء، وكان لصدى صوت الزميرة, وقع في الأذن يجعل الجميع ينتبه إليّ.

ذات يوم... أوغلت في (التزمير), ونسيت أن أبي يجب أن يأخذ غفوة بعد الغداء مباشرة, وكان يأتي من العمل حاملا تعب العمر والحياة فوق كتفيه, وكانت التعليمات التي تصدر من الوالدة صارمة جدا، وتقضي بضرورة توخي الحذر.. وعدم إزعاج الوالد, وقد فوجئت به يصعد سطح المنزل...وكانت عيونه حمراء ووجهه يوحي بالغضب, ويبدو أن (تزميري) أوجعه, وقد تعرضت وقتها لصفعة... حادة نوعا ما ومن ثم قام بأخذ (الزميرة) مني.

بكيت على (زميرتي), ولكن أمي توسطت لدى أبي في الغروب, وقدمت التزاما مع قسم صادق, بأن (أزمر) بعيداً...عن المنزل, في المقابل تلقيت تحذيرات شديدة من أبي، وعادت لي (الزميرة)..ونشطت في (التزمير) بعيدا عن منزلنا، وفي الشوارع الموازية.. والزقاق التي لايسمع فيها الصوت, وقد اكتشفت أمرا مهما, وهو أن (خما) للدجاج, كان يبعد عن منزلنا بقليل, هو الوحيد الذي يستجيب لزميرتي بخوف وهلع..كنت أجلس بجانب (الخم), وحين تخرج الدجاجات أطلق (الزميرة) فتصاب بالهلع وتعود لذات الخم..وأتركها حتى تستعيد أنفاسها, ومن ثم أعيد الكرة...أرعبت الدجاج كله، وصار لي مكان (أزمر) فيه..

فوجئت بعد أسبوع بعجوز طاعنة في السن تشكوني لأبي، وتخبره بأن دجاجاتها ما عادت تبيض, وبأن (زميرتي)..قضت على منسوب البيض الخاص بها، وفي هذه المرة كان عقاب أبي صارما...وصودرت (الزميرة)...لابل قام بتكسيرها تماما..

بكيت يومها, فقد كنت متعلقا (بزميرتي)...وحاولت جاهدا شراء واحدة أخرى ولم أفلح، حتى أن أقراني في الحي ولشدة استغرابهم من تعلقي (بالزميرة) صاروا ينادونني (أبو زميرة)...

كلما هممت بكتابة مقال، سألت نفسي ترى من سأزعج اليوم؟..واكتشف أني بعد ايغالي في العمر صرت أمارس فن (التزمير) وليس فن الكتابة, لقد منحوني (زميرة) وليس مساحة للكتابة، وأنا بالرغم من الشيب والعمر بقيت طفلا ولم أكبر...وها أنا (أزمر).

Abdelhadi18@yahoo.com