.... كل شيء في الحياة يقبل القسمة، التفاحة مثلاً تستطيع أن تقسمها لنصفين... والبرتقالة كذلك... حتى البطيخ في الصيف إذا لم يقسم، لا تستطيع أن تأكله... والمسافات تقسم، والمنزل به غرف وصالة للطعام ومطبخ.... والراتب الذي تتقاضاه يقسم لدفع أوجاعك، وفواتيرك... وحزنك.

تخيلوا حتى العمر يقسم إلى طفولة وشباب وكهولة... وأرذل العمر، والصلاة حين فرضت قسمت لعصر ومغرب وفجر وعشاء وظهر... ورغيف الخبز إذا ضاق الجوع بأخيك تستطيع أن تقسمه.. بينك وبينه، وقد يكفي لسد جوعك وجوع أخيك... وقطعة الأرض التي ورثتها تستطيع قسمتها، حتى بنطالك إن ضاق عليك.. تستطيع أن تقوم بقصه وقسمه لنصفين.. وتحويله (لشورت)..

كل شيء خلقه الله في هذا العمر قابل للقسمة، إلا القلب... لا يقسم أبداً... فهو في الحب لواحد... من المستحيل أن توزع قلبك بين اثنين، وهو في التصوف أيضاً... يكون لله وحده، وقد قال (ابن العربي) ذات يوم في وصف عشق الخالق: (إن الحق إذا استولى على قلب أخلاه من غيره)... والقلب أيضاً يسكنه وطن واحد.... وهو الوطن الذي حمل رأسك، وشهد صرختك الأولى لحظة الولادة، وحملك هونا على ترابه وترفق بك....

لكن في الأردن حتى تعيش عليك أن تقسم قلبك، فأنت يجب أن تكون ليبرالي الهوى أحياناً إذا كان الجو ليبرالياً، وقلبك قد ينزع نحو اليسار.. إذا كان الموقع يستدعي يسارياً، وقد تنتقل من أقصى اليمين لأقصى المعارضة بعد (الترميج مباشرة).. ومن الممكن أن تكون حكومي الفؤاد... وبعد رحيل الحكومة تؤسس شركة.. ويصبح اليورو هواك، والدولار فؤادك.... ومن الممكن أن تكون عشائرياً متشدداً، ثم ترجم العشائرية إذا كانت اللحظة تستدعي ذلك... ومن الممكن أن ترمي قلبك للعسكر وتذوب في هواهم وتكتب كثيراً عن بطولاتهم، لكن إذا كان الخطاب الرسمي فيه نقد للمتقاعدين، فعليك أن تراجع قلبك وتنتقد..

الأردن هو البلد الوحيد الذي تستطيع فيه أن تقسم القلب، كيفما شئت.... وكل الأطراف لها حصة في قلبك إلا أنت.. فبعد مغيب العمر تكتشف، أنك بدون قلب أبداً....

أكتب من حزن يسكن صدري... فأنا أيضاً ضيعت قلبي.... لقد ضيعته.

Abdelhadi18@yahoo.com