في المقالة السابقة مهّدنا للنظام المدرسي المنشود، والمفترض أن يحلّ محلّ النظام الحالي.

فما هو؟

قبل وصفه لا بد من تحديد موقفنا من النماذج العالمية الناجحة التي نتغنى بها، كالفنلندي والسنغفوري والياباني، وغيرها؟

هل نتبنى واحداً ونطبّقه بحذافيره؟

وهذا خيار جيد.

عندما شرع اليابانيون والكوريون في صناعة السيارات، مثلاً، بنوا فكرتهم على تبنّي نموذجٍ غربي قائمٍ، وحوّروه قليلاً ليكون أصغر وأقل تكلفة؛ وبرعوا في ذلك.

يمكن أيضاً دراسة عدة نماذج واستنساخ واحد منها؛ وهذا أيضاً خيار جيد. نأخذ أحسن السّمات منها، فيتولد لدينا نموذج متميز.

ويمكن كذلك أن نبني نموذجنا الخاص بناءً على تجربتنا، مستفيدين من التغذية الراجعة عبر عقود، ثم نُطعّمه بالممارسات العالمية الفضلى.

إن أي خيار من الثلاثة سيكون ناجحاً وسوف يُخرجنا من عنق الزجاجة الذي دخلناه بفعل تردّدنا.

لكنني أميل للخيار الثالث: أن ننحت نموذجنا بأيدينا، مفيدين من تجربتنا ومن خبرة المتخصصين في جامعاتنا.

وأقترح بناء النموذج على أربعة مبادئ: التعلّم بدل التعليم؛ المهارة بدل المعلومة؛ النشاط بدل الدرس أو المادة؛ والتكنولوجيا بدل الوسائل التقليدية.

قد يعترض البعض على كلمة «بدل»، مقترحين كلمة «إضافةً": أي «التعلم إضافة للتعليم» و"المهارة إضافة للمعلومة»، وهكذا.

لا بأس.

بالنسبة للمبدأ الأول، فقد ثبت أن اعتماد الطالب على المعلم ليس صحياًّ، وأن دور الطالب يجب أن يُبنى على مبدأ التعلم الذاتي النشط، وأن دور المعلم لا بد من أن يتغير فيصبح مخططاً وميسراً، تماماً مثل دور المتدرب على السباحة، ودور مدرّبه.

المتدرّب يسبح، والمدرّب يُوجّه ويُقوِّم.

المبدأ الثاني أصبح معروفاً: الطالب لا يذهب للمدرسة لأخذ المعلومة فهي متوافرة في المكتبات والإنترنت والتلفاز وغيرها من مخازن المعرفة. هو يذهب للمدرسة لاكتساب المهارات: مهارات التعلم والتحليل والتطبيق والتفكير والتواصل والذكاء العاطفي وعمل الفريق وغيرها.

فالمعلم لم يعد مصدراً للمعرفة، كما في السابق، والمطلوب منه هو مساعدة المتعلم على اكتساب المهارة وصقلها.

بالنسبة للمبدأ الثالث، ففكرة «الدرس» المشتق من «دَرَسَ» والمُركّز على مواضيع تقليدية تُقدم فيها معلومات مبنية على الحشو، فالأجدر أن يُستعاض عنها بالأنشطة التي يتعلم المتعلم من خلالها المعارف الأساسية والمهارات المتصلة بها.

وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة العناية بالأنشطة الرياضية والفنية، وإعطائها الوزن الذي يُعطى لمادة اللغة العربية أو الإنجليزية، فهي لا تقل أهمية عنها بالنسبة للمستقبل الحياتي والوظيفي للمتعلم.

أما المبدأ الرابع، فواضح أن التكنولوجيا أصبحت الأداة الأساسية للتواصل والتعامل، ونعتمد عليها أيّما اعتماد في كل ما نفعل. ومن هنا فلا بد من استخدامها أو «إدماجها في التعليم» سيّما وأن هذ الجيل هو جيل «ديجيتالي»، يعتمد التكنولوجيا سبيلاً ووسيلة في معظم ما يقوم به.

ونقترح على هذا البعد الإدخال الفوري للتعلم المدمج والتعلم الإلكتروني.

هذا هو النموذج بروافعه الأربع الذي يمكن لخبرائنا ومؤسساتنا المعنية تشكيله بعناية ليكون بديلاً عن النظام الحالي.

amajdoubeh@yahoo.com