يبدو العالم العربي منقسماً وبدون دفاعات ضد التدخلات الخارجية، تلك هي أحد أهم خلاصات البيان الختامي للقمة العربية التي عقدت في تونس مؤخراً، الذي شدد على أنه من غير المقبول أن تبقى المنطقة مسرحاً للتدخلات الخارجية، حيث أوضح القادة والرؤساء في البيان الختامي أن ما يجمع البلدان والشعوب العربية أكبر بكثير مما يفرقها، كما أن استمرار الخلافات والصراعات في المنطقة ساهم في استنزاف الكثير من الطاقات والإمكانيات العربية، وتسبب في إضعاف التضامن العربي وأثّر في الأمن القومي العربي ما أتاح التدخل في شؤون المنطقة، مؤكدين أنه من غير المقبول استمرار الوضع الراهن، الذي حوّل المنطقة العربية إلى ساحات للصراعات، وملاذات للتنظيمات الإرهابية التي تهدد الأمن والاستقرار والتنمية.

لعل الناظر في هذا البيان يظن أنه صادر عن طرف من كوكب آخر، ذلك بعض المجتمعين من القادة والرؤساء هم أساس الانقسام وسبب التدخلات الخارجية، الأمر الذي دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في كلمته بالقمة العربية الثلاثين في تونس إلى وعظ المجتمعين بالقول: «أدعو لوحدة العالم العربي كشرط لاستقرار المنطقة ومنع التدخلات الخارجية»، ولا تخلو بيانات الدول الإقليمية والدولية المتدخلة في العالم العربي في كافة المناسبات من الدعوة إلى عدم التدخل في شؤون العالم العربي، وتلك هي مأساة تتجسد كملهاة، حين تدعو أطراف الانقسام والتدخلات إلى نقيض سلوكها.

لا جدال أن الناظر في أحوال العالم العربي يدرك أن حالة الانقسام والتشرذم ووضعية التدخلات، هي نتاج بنية الدولة التسلطية العربية ما بعد الكولونيالية التي يشكل الفساد والاستبداد وغياب الحوكمة إحدى سماتها البنيوية، وقد تفاقمت هذه الوضعية ما بعد الحراكات الاحتجاجية لثورات الربيع العربي، والتي لا نزال نشهد فعاليتها في بلدان عربية عديدة بطرائق عدة، فكلما خبت الحراكات الاحتجاجية في ركن من العالم العربي اشتعلت في مكان آخر، ففي الوقت الذي بدا فيه أن الثورة المضادة تحرز نجاحا في مكان، تتقدم قوى التغيير في مكان آخر كما يحدث في السودان والجزائر، وتكشف الحالة العربية عن تلازم التدخلات الخارجية مع الاستبدادية الداخلية في أنظمة ما بعد الاستعمار.

إن الاعتراف العربي الرسمي بتفاقم الانقسام الداخلي والتدخل الخارجي، يجب أن يتبعه اعتراف بجذور المشكلة المتمثلة بغياب الديمقراطية والحوكمة وشيوع الاستبداد والفساد، وعدم الاغترار بحالة الاستقرار الهش، إذ لا يعدو ذلك عن كونه «دائرة خداع» حسب مايكل يونغ فـ«مانشهده الآن كان متوقّعاً، أي تجمهُر قوى الثورة العربية المضادة حول مبدأ القضاء على ما تبقّى من زخم المعارضة في المنطقة. إذ تلوح في الأفق أجواءٌ قمعية أكثر بعدا في عدد كبير من البلدان العربية، حيث لم يُحلّ حتى الآن أيٌّ من المشكلات التي أدّت إلى اندلاع انتفاضات العام 2011. لابل إن الدرس الذي تبنّته الأنظمة العربية هو أنها لم تمارس مايكفي من العنف لخنق مجتمعاتها بالكامل، وهكذا قد يتحوّل لجوء الأسد إلى المجازر الجماعية نموذجاً يقتدي به في المستقبل القادة المتمسّكون بمناصبهم مهما كان الثمن».

تقدم أعمال علي القادري، قراءة هامة لإشكالات المنطقة وأزماتها، وأشكال التدميرالذي تنتجه الحروب الاستعمارية المباشرة أو تحكيم نخب نيوليبرالية تابعة، يؤديان إلى تدمير المجتمعات من الدّاخل وسلبها سيادتها وإعادة تشكيلها كما يريد المهيمن،فالاصلاحات الليبرالية التي تحطّم القدرات الانتاجية وتفقر الشعب وتفكّكه حسب القادري، ما هي الّا صيغة رخيصة من الحرب الاستعمارية،والعلاقةعضوية بين الرأسمالية والحرب ودورها في إخراجها من أزماتها وتحوّل الحرب إلى عملية إنتاج وتراكم، فحسب القادري إن «الحرب بالنسبة إلى الرأسمالية كانت دائماً عملية إنتاجية. هي تفترض توظيف العسكر ودفع أجورهم لقتل بشر آخرين، أي إن بشراً مأجورين يقتلون بشراً. موت هؤلاء البشر هو مدخول في عملية الانتاج. عملية الهدر، وقتل البشر أعلى مستويات الهدر، هي عملية إنتاجية».

إن صعود الراديكالية والعنف في العالم العربي وتفاقم التدخلات الخارجية، لا يخرج عن كونه نتاجا لوضعية عربية منقسمة وهشة، وتعبيرا عن مسارات من الفشل، فبعيدا عن التفسيرات السطحية لتنامي الإرهاب والتطرف والعنف في المنطقة يقدم المفكر العربي آدم هنية في مقاله «تاريخ موجز لتنظيم داعش» تفسيرا لجاذبية التنظيم، ويشدد على ضرورة البحث عن الجذور الحقيقية لصعود «داعش» ضمن مسار الثورات العربية، حيث مثلت هذه الثورات أملا ضخما. أمل يجب الاستمرار في الدفاع عنه. ثورات تعرضت للقمع وللتقلبات، ولم تتمكن من المضي قدما في أي اتجاه أساسي. في هذه الفجوة ظهرت الجماعات الإسلامية، تعزز وجودها تماما مع كبح الثورات والتطلعات الشعبية بالديمقراطية. وكان ذلك بكل الأحوال لا مفر منه. لكن الصعوبات التي تواجهها الثورات خلقت فراغا، ملأه شيء آخر. فالنظرة إلى «داعش» هي تعبير أيديولوجي لهذا الواقع الجديد. لنكن واضحين، نمو «داعش» لا يمكن تفسيره ببساطة بأنه نتاج لأيديولوجية أو لدين، كما يعتقد العديد من المعلقين الغربيين.

الجذور الاجتماعية والسياسية هي حقيقية جدا وتفسر نمو هذا «التنظيم». ولكن أيضا الأخذ على محمل الجد التعبير الأيديولوجي يساعدنا على فهم عوامل عديدة تتقاطع، الانتشار المدمر للطائفية، والقمع المدمر في سوريا والعراق، وكذلك المصالح في الشرق الأوسط للقوى الإقليمية والعالمية المختلفة، كل ذلك عمل على تغذية نمو «داعش». فهذه المظاهرات، ولأول مرة منذ عدة أجيال، أدخلت إلى النشاط السياسي الملايين من الناس، وهزت بشدة هياكل الدول الراسخة وقبضة الأنظمة القمعية، المتحالفة مع الغرب. الأهم من ذلك، شدد الطابع الإقليمي لهذه الحركات القواسم المشتركة والخبرات المتبادلة للناس في الشرق الأوسط. ويستمر تأثيرها على الوعي السياسي والأشكال التنظيمية في جميع أنحاء العالم، فالأسباب التي دفعت بالناس إلى الشوارع كانت مرتبطة بعمق بأشكال الرأسمالية في المنطقة: عقود على إعادة الهيكلة النيوليبرالية للاقتصاد، وتأثير الأزمات العالمية وكيفية حكم الدول العربية من قبل أنظمة استبدادية، أمنية وعسكرية، بدعم من القوى الغربية.

في منطقةٍ عاجزة أصلاً عن تلبية حاجات مواطنيها اليومية، من الصعب أن نتخيّل نتيجةً أخرى غير المزيد من الخراب. إذ إن الاستبداد حسب مايكل يونغ مقروناً بالتدهور الاقتصادي الواسع النطاق وذكرى احتجاجات 2011، لن يجلب الطمأنينة والهدوء. وقد يولّد الاعتماد على إسرائيل، التي سيكون دورها، على نحوٍ أساسي، حماية الأنظمة في معظم البلدان الخليجية من إيران، مشكلات خطيرة على مستوى الشرعية، نظراً إلى أن بقاء هذه الأنظمة سيصبح مرتبطاً بتضحيات الفلسطينيين، وإزاء هذه الأوضاع غير السويّة التي تسود بكثرة في المنطقة، يجب الابتعاد عن قراءة الأمور بطريقة تختزل كل شيء بتوسّع النفوذ الإيراني. لاشك في أن صعود إيران هو عامل أساسي من عوامل زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، لكنه أيضاً من عوارض تدهور منظومة الدول العربية، بشكلٍ يشبه إلى حد كبير صعود تنظيم الدولة الإسلامية. في الوقت الراهن، يرصّ الأفرقاء في هذه المنظومة صفوفهم للإبقاء على الحكم السلطوي، لكن آلياته تعاني من الانحلال. لذا، ترقّبوا انتفاضات جديدة، فتوازن الطغاة يعني في معظم الأحيان فقداناً تامّاً للتوازن.

خلاصة القول إن حالة الانقسام الداخلي العربي وتفاقم التدخلات الخارجية، هي نتائج منطقية لغياب الحوكمة والديمقراطية وشيوع الاستبداد والفساد، ولا بد من الخروج من أفق الانكار والدخول في حالة من الاعتراف الصريح، ذلك أن المنطقة معرضة لمزيد من الانقسامات، وهي في خضم تحولات عميقة تتطلب نهجا مغايراً يقوم على الحوار في تدبير الخلافات والانقسامات العربية، والانصات لدعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بجدية باعتبار وحدة العالم العربي شرطا لاستقرار المنطقة ومنع التدخلات الخارجية.