د. فيصل غرايبه

مفهوم الأمن المجتمعي مفهوم مركب يمتد من ضمان سلامة المواطنين وحماية ممتلكاتهم إلى أمن الوطن واستقراره. كما يشمل المجالات الدينية والأسرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والاستراتيجية؛ وهو ما يفرض عدم الاشتغال بمقاربة ضيقة، فمن الضروري دراسة العلاقة بين تنظيم ممارسة آليات الأمن المجتمعي وتطلعات الاستقرار الدائم، من منطلق الواقع المجتمعي المتميز بالتنوع على كل محاور الانتماء، هذا الواقع المؤثر في طبيعة الفاعلين وحدود تأثيرهم. إلا أن ثمة أسباباً تجعل من المكابرة إهمالَ البنى التقليدية الناتجة عن التنوع بالتركيز على دور النخبة الحاكمة، ودور البنى التقليدية نفسها.

وبحكم أن مفهوم العدالة التوزيعية مفهوم مواطني يستند إلى فلسفة العلاقة بين المواطن بفردانيته والدولة بأجهزتها، فإنه من اللازم مناقشة تأثر مفهوم «العدالة التوزيعية» قانونياً وإجرائياً وتنفيذياً، بوجود البنى الوسطية التي يدين لها المواطن بالولاء من أجل الغنيمة، وتدين لها مؤسسات الدولة بالاستقرار السياسي. أما الاحتكام للمنطق المزدوج للغنيمة والعصبية، فقد أدى إلى أوضاع سياسية وأمنية متدهورة في المنطقة العربية، تجلت بوضوح بعد الحراك السياسي والسوسيو-اقتصادي السائد منذ عام 2011؛ إذ أدت إلى تكريس نقاشات غريبة عن الولاء والانتماء منافية لفلسفة بناء الدول.

وإذا ما انتبهنا الى أن «الإنترنت» يُستعمل كقدرة بث فوري في العالم، وآلية لنشر المعلومات، وأن أهم أسباب استخدام التجنيد الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، هو الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص، وإيصال الأفكار لهم، فإن أهم خطوات التحصين الفكري تكمن في رفع الوازع الديني والوعي العام وتنمية المسؤولية الاجتماعية، وتحصين الأبناء المسبق عن طريق الرسائل المبطنة، إضافة إلى أهمية متابعة المواقع التي تكافح الفكر المتطرف وتردّ عليه، وعدم الوقوع في ما يسمى «مصائد المغفلين» والتي تُستخدم لاختراق جهاز الضحية والتعرف عليه.

لا يمكن ربح رهان الأمن المجتمعي من دون انخراط فعال للمجتمع المدني. ثمة حاجة متنامية إلى مساءلة واستشراف علاقة المجتمع المدني بالأمن المجتمعي والدور الممكن الاضطلاع به في إطار يحفظ استقلالية الفعل الجمعي وحرية المبادرة المميزة له؛ حيث شهد العقد الماضي بروز مبادرات تدعو إلى إعادة الاعتبار إلى المجتمع المدني باعتباره شريكاً في هذا المجال، بتعدد أدواره الاستباقية والوقائية والعلاجية والمواكبة.

ويتحقق نجاح مثل هذا المشروع إذا توافرت مقاربة تشاركية بين السلطات الرسمية والهيئات المنتخبة والجمعيات المدنية؛ وكذلك التنسيق بين البرامج الحكومية، وإيجاد ودعم برامج مناهضة الغلو والتطرف، وصيانة القيم، والتربية على المواطنة، وتعزيز النزاهة، ومحاربة الفساد، ومحاربة الجريمة والعنف والمخدرات، ومناهضة العنف ضد النساء والتحرش والاعتداء، ومناهضة الاستغلال الجنسي للقاصرين.

أما الأمن الفكري، فقد شكل وما يزال هاجساً سياسياً وأمنياً لصناع القرار السياسي والقرار الأمني على حد سواء، وغدا يؤرّق الكثير من أعضاء المجتمع بسبب تعرضهم لمخاطر الإرهاب الناتج عن الانحراف الفكري، كما إن الأمن الفكري أضحى ضرورة ملحّة، لكي يشارك أساساً في تقدم وتطور الفكر السديد الوسطي المعتدل البعيد عن الغلو والتطرف.

وفي هذا المقام، توصلت دراسة د.حسن عبدالله الدعجة، الأستاذ بجامعة الحسين بن طلال في معان، إلى نظرية للأمن الفكري، وذلك عندما سعت إلى وضع إطار نظري، يتضمن أهم الأسس والمبادئ الواجب اتباعها، وبعد أن لاحظ الباحث أن الدراسات السابقة لم تستطع أن تحدّ من مظاهر العنف التي تشهدها الساحة العربية والإسلامية، واضعاً نفسه أمام سؤال رئيسي مؤداه: هل من الممكن وضع نظرية للأمن الفكري تساعد في الحد من العنف المجتمعي؟

وينطلق الدعجة من فرضية مفادها أنه كلما كان هناك نظرية للأمن الفكري، فإن الباحثين والدارسين لهذه الظاهرة سيتمكنون من إيجاد حلول للانحراف الفكري. لذلك اختار المنهج الاستقرائي الاستنباطي، بغية بناء تصور عقلاني لنظرية الأمن الفكري. لا سيما وأن هناك كثيراً من الدراسات لباحثين بارزين، أجمعت على أهمية تعزيز الأمن الفكري، والتحذير من خطورة غيابه، ووضع السبل الكفيلة لحمايته، مؤكدةً على دوره في تعزيز الحوار، وعلى أنه يعدّ ركيزة للأمن الوطني الشامل.

وما دامت النظرية تشتمل على البعدين المعرفي والمنهجي، وثمة شروط لذلك منها تحديد مفاهيم النظرية واتساق قضاياها، نجد في السياق أن الأمن الفكري مصطلح يتضمن مفاهيم الأمن الوطني بشكل عام ويرمز إلى أخطر مجالاته، وذلك لأن الأمن الفكري يعدّ اللبنة الأولى في بناء مجتمع صحيح واعٍ، ويعبّر عن سلامة التفكير، بعيداً عن التطرف والغلو.

وفي تقييم هذا الباحث لِما حاوله العلماء من تفسير ظاهرة السلوك المنحرف المؤدي إلى الجريمة، يتبين له أن بعضهم ركز على دراسة السلوك المنحرف، وبعضهم الآخر ركز على الفرد المنحرف، إلا أن هذا الباحث الجاد يرى غير ذلك من حيث أن المتغيرات المسببة للانحراف الفكري والسلوك الإجرامي قد تنبع من عوامل العصرنة والمتمثلة بالعولمة، التي أدت إلى سرعة وتيرة الحياة، وإلى سهولة انسياب الأفكار. ولهذا يُعدّ الفكر المادة الأولى إما لاستتباب الأمن والطمأنينة أو للانحراف الفكري.

لذا عمد الباحث إلى طرح نظرية للأمن الفكري، تعالج النقص الحاصل في إطار النظريات المعالجة للانحراف الفكري، متوصلاً إلى ذلك من خلال القيم العليا الاستراتيجية للدولة، إذ هي دعائم أساسية تضبط النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي.

تأسيساً لذلك، يشير صاحب النظرية إلى أن موضوع الأمن الفكري يحتاج إلى تنشئة تُوحّد الرؤى لدى النشء، ووضعَ لذلك أسئلة تقع في إطار: لماذا ينحو بعضهم إلى التطرف والغلو في الآراء؟ ولماذا تختلف الآراء المتطرفة للأفراد الذين يعيشون في البيئة الواحدة؟ وما الفوارق التي تجعل الاختلاف الفكري بين أفراد المجتمع يتمايز بين معتدل ومتطرف؟ وما السبل التي تحمي الأمن الفكري؟ وكيف تتم معالجة الانحراف الفكري؟ وأسئلة أخرى تستكمل الفكرة في الإطار نفسه.

أما فرضيات النظرية، فتنطلق من أنه كلما كان هناك بيئة ملائمة للتطرف كان هناك استقطاب للتجنيد، وكلما كان هناك غياب للتنشئة السليمة كان هناك خلل في الأمن الفكري، وكلما كان هناك اختلاف في القيم الدينية العليا، كان هناك انحراف فكري، وكلما ازداد الاتصال والتعاون بين الجماعات الإجرامية ازدادت الأعمال الانتحارية، وكلما انتشرت ثقافة التسامح كان هناك قبول للآخر.

ولذلك، برزت حقيقة أن القيم الإيجابية والعوامل الداعمة تسهم في إيجاد الأمن الفكري، والذي يسهم في استتباب الأمن، والذي يعد بدوره أمراً ضرورياً للإبداع والابتكار العلمي والثقافي في المجالات شتى. كما إن القيم السلبية والعوامل المعيقة للأمن الفكري تعمل على إحداث انحراف فكري، يكلف المجتمع عقوداً من الظلام والتخلف والانقسام. بينما هناك عوامل داعمة للأمن الفكري تتمثل بالقرآن الكريم، والسنة الشريفة، واللغة العربية، والوحدة الثقافية، وإمكانية التعدد والتنوع، وشرعية الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والقواسم المشتركة بين أعضاء المجتمع، والاعتزاز بالانتماء إلى الوطن، والإلمام بالقوانين والأعراف والعادات والتقاليد. وفي المقابل، نجد عوامل معوقة للأمن الفكري؛ كاختلاف التفاسير والتأويلات الدينية، ووجود فِرَق وجماعات ومذاهب مختلفة، واتساع النطاق الجغرافي، والنظرة السلبية تجاه الأنظمة، وإمكانية التواصل السلبي بين الجماعات، ووجود فراغ فكري لدى بعض أبناء الجيل الجديد.

تبعاً لما تقدم، نخلص والمؤلف إلى أن «الانحراف الفكري» متضاد مع «الأمن الفكري»، لوجود أسباب دافعة له خارجة عن إرادة الدول، منها الازدواجية في المعايير الدولية في قضايا واضحة العدالة كالقضية الفلسطينية، واتساع الفجوة بين الحضارات، واختلاف المصالح والظروف القومية والإقليمية.. مما يمكننا من القول إن الأمن الفكري سيواجه في السنوات القادمة تحديات كثيرة من قِبل جماعات وأفراد وحتى دول تسعى لإثارة الفتنة داخل المجتمع الواحد.