يدرك الأردنيون أن ثمة ضغوطاً تمارس للنيل من الولاية الهاشمية على المقدسات، كما ويدركون جيداً أن ما يراد للقضية الفلسطينية ليس خيراً.

وهذا الإدراك ليس مقتصراً على الأردنيين وحدهم، بل إن الفلسطينيين أيضاً متأكدون أن حماية القدس والمقدسات لا تكون إلا بالتمسك بالولاية الهاشمية؛ لقناعتهم الراسخة أن الهاشميين بذلوا عبر التاريخ كل جهد ممكن للحفاظ على الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمقدسات في القدس المحتلة، وبالتالي فإن الفلسطينيين وعلى الأخص المقدسيون لا يثقون إلا بالهاشميين لحمل هذا الملف.

لكن السؤال، لماذا الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس مستهدفة؟

تدرك الإدارة الأميركية والحكومة اليمينية في إسرائيل، أن الإبقاء على رابط للهاشميين في القدس من شأنه أن يعطّل أي مشاريع مستقبلية لهم تستهدف القدس والقضية الفلسطينية، لذلك بالنسبة إليهم فإن تغيير مسار الوصاية وسحبها من الهاشميين من شأنه أن يُسهّل مهامهم المستقبلية لضم القدس بشقيها وإلغاء الطابع العربي والإسلامي والمسيحي عنها، وإنهاء الحلم الفلسطيني في إقامة الدولة المستقلة وفقاً لما تم الاتفاق عليه.

لذلك، فإن الخيار كان لديهم بمحاولة فرض تعديلات على الوصاية الهاشمية، من باب سعيهم لإيجاد مشروع جديد للسلام ينسف كل ما تم التوصل إليه سابقاً عبر المفاوضات والاتفاقيات التي تمت تحت الرعاية الأممية.

الملك قالها منذ زمن «القدس خط أحمر»، وهي كذلك بالنسبة للأردنيين جميعاً، وقد أدرك العالم أجمع حقيقة موقف الملك الصادق والشجاع منذ أن أعلن بكل صلابة رفض قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وإعلانها عاصمة لإسرائيل.

غير أن الموقف الأردني الثابت، ما زال يشكل أكبر تحدٍ في وجه الإدارتين الأميركية والإسرائيلية، وهو بمثابة شوكة في حلوقهما غير قادرين على التخلص منه، حتى عبر الضغوط الاقتصادية، ذلك أن الملك استبق الحدث منذ مدة حينما قال إن الأردن لا يساوم على ثوابته ومبادئه.

اليوم، يقف الأردنيون خلف القائد معلنين جاهزيتهم للدفاع عن مبادئ الدولة الأردنية وثوابتها، ومستعدون أكثر من أي وقت مضى لاستقبال تداعيات الموقف الثابت بكل صبر وصلابة ورجولة.

بالتالي، فإن الرسالة الأبرز التي يمكن أن تفهمها الإدارتان الأميركية والإسرائيلية أن مخططاتهم التي تستهدف القدس والقضية الفلسطينية لن تنجح أبداً، ولن يكون بمقدور أحد الاقتراب منها أو أن ينالها بسوء، وما يبعث على ذلك التفاؤل ثبات المقدسيين والفلسطينيين وحرصهم على حماية الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس وإقرار العالم الإسلامي بالدور المهم الذي أداه الهاشميون عبر التاريخ حيال جميع المقدسات المقدسية.

أما على صعيد ما اتصل بـ «صفقة القرن»، فإن بإمكان من راقب الموقف الأردني منذ أن بدأت الأنباء تتواتر عن وجود صفقة أميركية للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يدرك تماماً مدى صلابة الموقف الأردني وجذريته.

في الأردن، نحن مؤمنون إيماناً مطلقاً أن لا حل أُحادي الجانب للقضية الفلسطينية وأن طريق السلام لا يكون ناجزاً إلا أن يكون عادلاً وشاملاً وقائماً على حل الدولتين، وليس غير ذلك.

وفي الواقع، جميع زعماء ومسؤولي العالم باتوا يدركون أن موقف الأردن الرسمي والشعبي ليس خاضعاً للمساومة، وثمة منجز مهم شهده العالم عندما قررت 128 دولة التماهي مع الموقف الأردني الرافض لنقل السفارة الأميركية إلى القدس وإعلانها عاصمة لإسرائيل.

اليوم، يدرك الجميع أن جلالة الملك يمتلك من القوة والحظوة في العالم ما يجعله صاحب رؤية مؤثرة يقتنع بها الكثيرون، وفي الواقع يمتلك جلالته علاقات عميقة ومميزة مع مختلف المؤسسات في الولايات المتحدة ما يجعل الكثيرين منهم يؤمنون بصوابية موقفه حيال الملفات المختلفة ولا سيما ما تعلق منها بالملف الفلسطيني.

لذلك، المطلوب من العرب والمسلمين جميعاً أن يقفوا اليوم إلى جانب الأردن في المعركة التي يخوضها لإفشال صفقة القرن، ومطلوب من الفلسطينيين أن ينبذوا ما بينهم من خلافات والتوحد في تشكيل جبهة سياسية فلسطينية موحدة لرفض الصفقة، إذ ليس من المنطق أن تظل الفرقة بينهم اليوم في وقت تشهد فيه القضية الفلسطينية أعقد تحدٍ تمر فيه عبر تاريخها.