هناك ثلاث دول إقليمية هي: تركيا وإيران وإسرائيل لها تأثير إنْ ليس على الوطن العربي كله فعلى بلاد الشام ومعها العراق طبعاً والخليج العربي والجزيرة العربية وأيضاً مصر بالتأكيد، فأي متغيرات في هذه الدول الإقليمية سواءً كانت سلبية أم إيجابية تنعكس سلباً أو إيجاباً على منطقتنا كلها وهذا حصل أكثر من مرة خلال الفترة منذ بدايات عشرينات القرن الماضي وحتى الآن.

وهكذا فإنه معروف أن إسرائيل عدو تاريخي وأن الصراع معها، كما هو واضح، لا نهاية له طالما أنَّ أصحاب «الرؤوس الحامية» فيها يواصلون رفع شعار: «من النيل إلى الفرات» وطالما أنهم يرفضون المساومة التاريخية المعروضة الآن، عربياً ودولياًّ، وعلى أساس دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وبالطبع الإنسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة ومن بعض الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت الإحتلال مقابل الإعتراف بدولة إسرائيلية على هذه الحدود.

ثم وأنه معروف أيضاً أن إيران حتى بعد ثورة عام 1979 قد خيبت ظنون العرب، الذين راهنوا على أنها ستشكل جداراً استنادياً شرقياً لهم وبكل دولهم، وأنها بعد افتعال حرب الثمانية أعوام مع العراق دأبت على التدخل في الشوؤن العربية الداخلية وعلى ما هو عليه واقع الحال الآن إنْ في سوريا وإنْ في لبنان وإن في اليمن وبعض دول الخليج العربي والمعروف أننا قد سمعنا تفاخر قائد حراس الثورة الإيرانية محمد علي جعفري بأن الدولة الإيرانية باتت تسيطر على أربع عواصم عربية هي: بغداد ودمشق ولبنان وصنعاء!!.

ويبقى أننا في هذه المنطقة كلها لم يعد لنا إقليمياًّ ما نراهن عليه إلا تركيا «الأردوغانية» التي ساد اعتقاد لدى بعضنا، إنْ دولاً وإن أحزاباً وإنْ أفراداً، أنها ستكون سندنا بالنسبة لكل قضايانا الرئيسية وأولها وعلى رأسها قضية فلسطين لكن ما حصل هو أن الرئيس رجب طيب أردوغان قد «نسينا» ونسي متطلبات الأتراك الداخلية وذهب بعيداً في الانخراط في لعبة التناحرات الدولية والإقليمية وكانت النتيجة أن بعض من كانوا أيدوه سابقاً قد تخلوا عنه فكانت خسارته فادحة في الإنتخابات «البلدية» الأخيرة.

لقد كان على أردوغان أن يكون رهانه الأساسي على أوضاع تركيا الداخلية وأن يتمسك بكل رموز المسيرة الذين رافقوه من «نقطة الصفر» وإلى أن أصبح بكل هذا الحجم الاسطوري.. لقد كان عليه أن يدرك أن هناك ثلاثين مليوناً من الأكراد كمواطنين في تركيا من بينهم خمسة ملايين في اسطنبول نفسها التي كانت خسارته فيها مدمرة وقاضية فهؤلاء بمعظمهم قد صوتوا ضده وضد حزبه والمشكلة أنه وكما هو واضح لا يزال لم يقتنع بضرورة التخلي عن تطلعاته ليكون ليس رقماً رئيسياًّ بل الرقم الرئيسي في المعادلة الإقليمية والمعادلة الدولية.. وإلاّ ما معنى أن تكون علاقات تركيا، العضو المؤسس في حلف شمالي الأطلسي، مع الولايات المتحدة هي هذه العلاقات المتردية؟!