ايال زيسر - إسرائيل اليوم



رغم مساعي التسوية والمحاولات لتحقيق وقف للنار، تجد اسرائيل صعوبة في ان تعيد الهدوء والتهدئة الى حدود القطاع. فإطلاق الصواريخ نحو بلدات غلاف غزة يتواصل بلا انقطاع، الى جانب اعمال اخلال عنيفة بالنظام على طول الجدار، اطلاق البالونات المتفجرة والحارقة بل ومحاولات التسلل الى الاراضي الاسرائيلية.

في ضوء الصعوبة في احلال التهدئة، هناك من يدعون الى اعادة الجيش الاسرائيلي الى غزة واحتلال القطاع. لا شك أن الامر في متناول يد الجيش الاسرائيلي، ولكن السؤال كم يوما سيحتاج الجيش ليهزم حماس بل ماذا سيحصل في اليوم التالي لاحتلال القطاع. للدقة، كم من الوقت سيمر قبل ان تضطر اسرائيل الى سحب قواتها تحت الضغط الدولي. وحتى لو منح الرئيس ترمب اسنادا كاملا لحكومة اسرائيل، يمكن أن نتساءل في غضون كم من الوقت سترتفع في الجمهور الاسرائيلي الدعوات لاعادة الابناء الى الديار وترك غزة الى الغزيين، أي ترك مصيرهم من جديد في أيدي حماس.

يمكن، بالمناسبة، الامل عبثا ان توافق مصر أو حتى ابو مازن ان يأخذا على عاتقهما ادارة القطاع. ومع ذلك، ليس معقولا الافتراض بان مصر ستوافق على سفك دماء جنودها كي تقاتل حماس، ومشكوك أن يكون لـ «أبو مازن» القدرة على أن يفرض نفسه حاكما على القطاع، وهو الذي فقده لحماس قبل نحو عقد.

في اسرائيل ثمة ايضا من يسعون لان يحولوا حماس الى حزب الله. فبعد كل شيء هذا هو المعنى للدعوة الى تحقيق «هدوء لبناني» على حدود القطاع: فك الارتباط التام والوصول الى تسويات وتفاهمات مع حماس مثل تلك التي تحققت مع حزب الله. غير أنه من أجل تحقيق هدوء تام على حدود القطاع، على «حماس» أن تكون ليس فقط قوية مثل حزب الله، بل وايضا حرة من القيود والاغلاق التي تعيشها اليوم.

فبعد كل شيء، حتى من يتباهون بالهدوء السائد على الحدود الشمالية، لا يمكنهم ان يتجاهلوا ثمنه: تزود حزب الله باكثر من مئة الف صاروخ، تغطي معظم اراضي اسرائيل. ليس مؤكدا ان شراء الهدوء والتهدئة المؤقتين على حدود القطاع يستحق مثل هذا الثمن.

من المهم أن نتذكر بانه حتى للهدوء السائد في هذا الوقت على حدود الشمال قد يكون تاريخ نفاد مفعول. وعندها سيتبين مرة اخرى بان صواريخ حزب الله لا تسارع الى الصدأ في المخازن. وان المسدس من المعركة الاولى قد يطلق النار في المعركة الاخيرة.

ان الواقع السائد اليوم على حدود القطاع ليس مريحا لاسرائيل، ولكن لا يجب جعله هزيمة اسرائيلية، وبالتأكيد ليس انتصارا لحماس. فالمكان الوحيد الذي تنتصر فيه حماس هو وسائل الاعلام الاسرائيلية التي لاسباب حزبية أو لاعتبارات «اتساع النشر» تجعل منظمة مضروبة ومهزومة منتصرة.

تعيش حماس اليوم في شرك. فهي غارقة حتى الرقبة في الوحل الغزي، وتدير معركة بقاء ليس لها فيها أي امل حقيقي للانتصار. هذه معركة على القدرة لابقاء الرأس فوق الماء، ليس أكثر من ذلك. في عهد حكمنا، جعلت حماس القطاع منطقة مصابة بالمصيبة سكانها يعيشون ضائقة اقتصادية لا سابقة لها. هم، وابناؤهم عديمو الامل لمستقبل افضل. والان فانها تبعث بشبان غزة للموت على طول جدران الحدود في كفاح خاسر مسبقا. حماس منعزلة في العالم العربي وفي الاسرة الدولية مثلما لم يسبق لها أن كانت. وهي توجد بين المطرقة المصرية والسندان الاسرائيلي، فتفقد أغلب الظن تأييد سكان القطاع، الذين يحملونها المسؤولية عن مصيبتهم.

عندما تكون مضروبة وضعيفة، ليس لحماس ما تخسره، ومن هنا صعوبة اسرائيل في ردعها واقامة ميزان رعب وردع حيالها. ولكن بضعفها تستعد حماس لان تقبل حتى بالزهيد الذي تعرضه عليها اسرائيل: دفع رواتب ومبالغ مالية زهيدة لمشاريع اقتصادية تتيح لها انهاء الشهر، وليس اكثر من ذلك.

مثل مواجهاتها مع اعداء آخرين في المنطقة، فان صراع اسرائيل مع حماس لن ينتهي «بضربة واحدة وانتهينا». هذا صراع متواصل الجانب الذي يبدي فيه مثابرة وعناد، مثلما يبدي ضبط النفس ايضا، هو المنتصر. حماس توجد في طريق مسدود وبلا امل بأي مستقبل. لا المواجهة، ولكن أيضا لا التسوية، ستغيران هذا الواقع.