تسفي برئيل - هآرتس



حزب العدالة والتنمية فاز في الانتخابات المحلية في تركيا، لكن الرئيس رجب طيب أردوغان خسر فيها. هذا التناقض الذي إليه وجه نفسه اردوغان عندما حذر من أن هذه الانتخابات هي تصويت للثقة به وبسياسته وهي انتخابات مصيرية لمستقبل دولته. الانتخابات في تركيا كانت بشكل عام عرض ممل، لأنها انشغلت بالخلافات على مواضيع محلية مثل المجاري والمياه، دفع الرسوم وتطوير المشاريع المحلية. النتائج ايضا كانت بشكل عام معروفة مسبقا. في الخرائط الملونة التي ظهرت فيها تقسيمات المحافظات التركية حسب السيطرة الحزبية كان واضحا على الفور بأن اللون الأصفر هو الذي يسيطر، لون حزب العدالة والتنمية. وهذه المرة ايضاً مثلما في انتخابات 2014 حظي الحزب بـ 44 في المئة من الاصوات مقابل الحزب الجمهوري المعارض «سي.اتش.بي» الذي حصل على 30 في المئة هذه السنة، مقابل 26 في المئة قبل خمس سنوات. اردوغان الذي القى خطاب النصر في يوم الاثنين في مقر الحزب في أنقرة كان يمكنه الادعاء وعن حق أن حزبه والحزب الوطني الذي فاز بـ 7.5 في المئة من الاصوات، فاز بأكثر من نصف الاصوات.

اردوغان بالتأكيد سيسير فترة طويلة على هذا المسار، عندما سيحين الوقت لتطبيق الاصلاحات الاقتصادية التي صاغها صهره وزير الاقتصاد والمالية برات البيرق. ولكن مثلما ضخم هذه الانتخابات الى مستوى انتخابات وطنية تلقى اردوغان بشكل شخصي ضربتين قويتين في انقرة وفي اسطنبول.

في هاتين المدينتين عين اردوغان بنفسه المرشحين للحزب. في اسطنبول رشح من كان رئيس حكومته وبعد ذلك رئيس البرلمان، بنالي يلدريم، الذي خسر بفارق بسيط. ولكنه لاذع بشكل خاص. يبدو أنه ما زال يتوقع صراع على فرز الاصوات وادعاء التزوير. هكذا يجدر في هذه الاثناء التعامل بحذر مع المعطى النهائي في هذا السباق.

اسطنبول كانت نقطة انطلاق اردوغان السياسي، الذي شغل منصب رئيس البلدية فيها في 1994. وهي كانت ايضا معقل حزب العدالة والتنمية على مدى 16 سنة. في الانتخابات السابقة تغلب حزب السلطة على المعارضة بفارق 8 في المئة، الذي تلاشى تقريبا تماما في الانتخابات الحالية. الى انقرة جلب اردوغان مرشحاً من مدينة كيسار، تقريبا هو شخص مجهول بالنسبة لسكان العاصمة، الذي أدى الى خسارة الحزب بفارق 4 في المئة، مقابل فوز بفارق 1 في المئة فقط في الانتخابات السابقة.

يبدو أن هذه ليست فروقات كبيرة تدل على ضعضعة عميقة في تأييد الحزب. ولكن رمزيا فان فقدان السلطة في اسطنبول وفي أنقرة يلقي بظلاله ايضا على قطاعات مهمة اخرى في الدولة وفي الخارج. الحديث يدور بالاساس عن التحليلات التي سيعطيها المستثمرون المحتملون للخسارة في المدينتين. وفي مراكز تجارية مهمة جدا مثل ازمير وأظنة ومرسين التي فيها خسر حزب العدالة والتنمية، وليس بصورة مفاجئة. هذه المدن هي المراكز الاقتصادية الهامة في الدولة وهي تتلقى ميزانيات كبيرة من الحكومة لمشاريع التطوير.

سواء في انقرة أو في اسطنبول يتواجد ارباب المال في الدولة، الذين كثيرون منهم مقربون من الرئيس. التعاون الوثيق بين ادارة اردوغان وارباب المال غذى ايضا مؤسسات حزب السلطة، الذي حظي مقربوه بالمزايا والنعم، وفي المقابل أيدوا اقتصاديا مبادرات اردوغان. وهم سيكونون ايضا من سيلبون الدعوة عندما سيضطر الحزب الى تجاوز اقتصاد الانتخابات الى اقتصاد الواقع.

هنا من المتوقع أن يقف اردوغان امام رؤساء بلديات معارضون، الذين يمكنهم وضع العصا في دولاب التطوير الذي يطمح اليه. مثلا، هم يمكنهم تأخير منح الرخص، والمصادقة أو رفض مخططات بناء حسب رغبتهم. وبالاساس الاهتمام بكراسي مقربيهم الجدد على حساب الاوليغاركيا، حزب العدالة والتنمية. وبهذا ترسيخ البنية التحتية المالية للحزب الجمهوري وشركائه.

اردوغان في السابق اعطى اشارة أنه ينوي تعلم دروس هذه الانتخابات - وهي اشارة واضحة على التطهير الذي ينوي القيام به في صفوف الحزب، خاصة في المدينتين اللتين خسر فيهما. هذه خطوة حيوية بالنسبة له ازاء القرارات الاقتصادية التي يتوقع أن يفرضها على الدولة كجزء من النضال ضد التضخم الذي بلغ 20 في المئة والبطالة التي وصلت الى نسبة 13.5 في المئة.

مبادىء الخطة الاقتصادية ما زالت لم تفصل بعد، حتى لا يتم المس بدعم الناخبين لحزب السلطة. وبدل ذلك اختار اردوغان تركيز الحملة الانتخابية على محاربة الارهاب وأمن الدولة ومكانة تركيا الدولية، وهي مواضيع كان يمكنه من خلالها عرض نفسه كمدافع عن الوطن وأن يلقي على خصومه تهمة دعم الارهاب والتعاون مع أعداء الدولة.

المعجزة الاقتصادية التي احدثها اردوغان منذ توليه السلطة في 2003، وأنها كانت دائما هي موضوع رئيسي في الانتخابات المحلية، اختفت هذه المرة تماما. ولكن عندما ستنشر هذه المبادئ، التي ستتضمن المس بالدعم وميزانية الرفاه ورفع الفائدة على القروض وتقليص النمو وزيادة نسبة البطالة، من شأنها أن تشعل احتجاج عام مثل النوع الذي عرفته تركيا بين فينة واخرى وأدت في السابق الى اسقاط حكومات. في هذه الاثناء ورغم الهزيمة في انقرة واسطنبول، وطالما أنها على حالها، فان نتائج الانتخابات لا تهدد مكانة اردوغان بصفته الزعيم غير المشكوك فيه للاتراك.

بعد الانتخابات المبكرة للرئاسة في السنة الماضية التي مكنته من تطبيق كامل الصلاحيات الكبيرة التي منحها له الدستور فان اردوغان يسيطر على التشريع من خلال سيطرته على البرلمان. وهو غير مقيد تقريبا بمدة ولايته. وكرئيس للسلطة التنفيذية يمكنه تحديد بصورة حصرية سياسة اقتصادية وعسكرية. الانتخابات القادمة للرئاسة والبرلمان ستجري في العام 2023 واذا تم انتخابه فهو يمكنه الاحتفال بعشرين سنة من الحكم المتواصل.