الكلّ يتفق على أهمية تطوير النظام التعليمي المدرسي، وبالذات الشّقّ الحكومي منه. لكن لا يوجد اتفاق لغاية الآن على النموذج البديل.

وهنا يكمن الإشكال.

نعي أنّه نظام متمركز حول دور المعلم لا دور الطالب، وهو بالتالي تعليميّ لا تعلّميّ. وأنّه يركز على مهارة المذاكرة أو الحفظ، ويهمل غيرها من مهارات أساسية. وأنّه يتمركز حول كتاب واحد كمصدر للمعلومة، وبالتالي فهو يُعلي من أحادية الرأي والمعلومة الجاهزة، ويُهمل تعددية الرأي وعملية البحث والاستقصاء.

وأنه مُنصبّ على مجموعة مواضيع أو «دروس» ثابتة لم تتغير منذ عقود طويلة، رغم أن هذه المواضيع قد عفا على بعضها الزمن، وأن العديد من المواضيع الجديدة والمهمة لم تتمكن من دخول المنظومة. وأنّه يتجاهل الأنشطة والفعاليات لصالح تلك المواضيع أو الدروس.

وأن أساليب التدريس التقليدية إيّاها بقيت على حالها.

نعي كلّ هذا وغيره.

ومع أنّ «وعينا» أو إدراكنا لسلبيات النظام أمر إيجابي من حيث المبدأ، إلاّ أنه قد يكون جزءاً من المشكلة إذا لم نؤسس أو نبنِ على هذا «الوعي» البديل أو البدائل المرجوة.

والحق يقال أننا، مثل حالنا في العديد من القطاعات الأخرى، أبدعنا في النقد والتحليل والتشريح والتوصيف والتشخيص، وأخفقنا لغاية الآن في اجتراح الحلول أو إيجاد البدائل.

وهذه هي مشكلتنا.

ما هو البديل؟

البديل لا يكون بفكرة جزئية هنا، أو إجراء فرعي هناك، بل بتصور كامل شامل، تترابط أجزاؤه وتتناغم مكوناته لتفضي إلى النظام الذي نريد.

سؤال مهم لا بد من طرحه هنا: لماذا رغم كل محاولات «الإصلاح» أو «التحديث» أو «التطوير» بقي نظامنا على حاله منذ الأربعينيات أو الخمسينيات من القرن الماضي إلى يومنا هذا؟

لا شك بأن الإجابات على هذا السؤال تتعدد بتعدد الزوايا التي ننظر منها للأمر، وبتعدد الأشخاص المعنيين.

لكن أحد أهم هذه الإجابات تتمثل في غياب البديل. بمعنى آخر، نظامنا التعليمي التقليدي هذا ما زال قوياً يقاوم التغيير، لأننا لم نفلح لغاية اليوم في تقديم نظام مقنع قوي رصين يحلّ مكانه. هنالك أفكار، هنالك اجتهادات، لكن لا توجد هنالك أية بدائل أو نماذج ناضجة وجادّة.

لا بل إننا ضائعون في بحثنا عن البدائل أو النماذج، مشتتون غير متفقين.

فتارة نتحدث عن النموذج السنغافوري، وتارة أخرى نتحدث عن النموذج الفنلندي، وأحياناً عن الياباني أو الكوري الجنوبي، وهكذا دواليك.

لم نحدد الوجهة لغاية الآن، وصرفنا جلّ جهدنا في نقد النظام التعليمي نفسه وفي استعراض النماذج المختلفة، ولم نتفق أو نقرّ نموذجاً واحداً يناسبنا.

النقطة البسيطة، المهم إبرازها هنا، أننا بحاجة بعد كلّ هذا الوقت وكلّ هذا الجهد إلى نحت أو تشكيل بديل يناسبنا، وأن نركز جهودنا عليه من أجل إنجاحه، مهما كان هذا البديل.

عندها، وعندها فقط، نبدأ رحلتنا الجديدة. ولن نبدأ هذه الرحلة إلاّ إذا سألنا أنفسنا سؤالين أساسيين، ودفعنا باتجاههما بقوة: ما هو البديل الذي نريد؟ ما هو البديل الذي يناسبنا؟

وسنحاول الإجابة عن هذين السؤالين في المقالة المقبلة.

ونعي أنه وهذا أمر لم يعد مقبولاً

الكلّ يعرف، والكلّ يتذمر من تقليدية وجمود النظام التعليمي المدرسي العام.