لطالما عجز دارسو السياسة والعلاقات الدولية والحقوقيون عن اعطائنا إجابة شافية على سؤال مهم فرضه نشوء العلاقات التنافسية بين المجتمعات والدول المتجاورة أو المتباعدة، ألا وهو كيف تتمكن بعض الدول من ممارسة اشكال القمع والتعسف والظلم ضد شعوب أخرى من جهة، بينما تحرص في الوقت ذاته على تطبيق أدق معايير الديمقراطية و حقوق الإنسان على كل من يتواجد داخل حدودها؟

لنأخذ رحلة «الهان عمر» من شواطئ القرن الأفريقي إلى مجلس النواب الأميركي كحالة لافتة!

وصلت «الهان عمر» إلى أميركا عام 1995 وهي في سن الرابعة عشرة برفقة والدها وجدها بعد أن أمضوا أربع سنوات في مخيم للاجئين في كينيا هربا من ويلات الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1991في بلدهم الاصلي الصومال. لكنها لم تحصل على الجنسية الامريكية الا عام 2000.

في الانتخابات الأخيرة لمجلسي النواب والشيوخ الاميركي كانت «إلهان عمر» التي استقرت في ولاية مينيسوتا و«رشيدة طليب» الفلسطينية الجذور المقيمة في ولاية ميتشغن، هما اول سيدتين عربيتين مسلمتين تنجحان في اقتحام مبنى «الكابتول هيل» في واشنطن عبر صناديق الاقتراع التي امتلأت باسميهما على حساب منافسين أمريكيين آخرين من الجنسين!

انضمام هاتين السيدتين كممثلتين عن الحزب الديمقراطي للمؤسسة التشريعية الاهم في العالم هو حدث سيلتفت اليه مؤرخو الحياة البرلمانية في اميركا بعناية، خاصة وان هذا الحدث تم في عهد «ترمب» أكثر رؤساء الولايات المتحدة إثارة للجدل، على خلفية مواقفه المتشددة بل والمتزمتة من الاقليات والمهاجرين من دول العالم الثالث والتي شبّهب بعضها بالحفر الامتصاصية!

لكن «إلهان» اليوم ولم تمض بعد ثلاثة أشهر على انتخابها لمجلس النواب عن المقاطعة الخامسة في ولاية مينيسوتا تجد نفسها في أتون جدل إعلامي وسياسي واسع اثارته تصريحاتها ومواقفها الجريئة المتعلقة بحقوق المهاجرين واللاجئين مثلها، وبالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الذي تحتل إسرائيل أراضيه، ودور منظمة «الايباك» الذراع الإعلامية والسياسية الطويلة لإسرائيل في طول وعرض البلاد.

ولكون «إلهان» من منظور الثقافة السائدة في الولايات المتحدة عضواً في أعلى هيئة تشريعية أميركية، فإن ما نسب إليها حول هذه المواضيع الحساسة اعتبر خارجاً عن المألوف، بل ورفضه البعض لدرجة توجيه تهمة معاداة السامية لها، وهي تهمة، ستعرض مستقبلها السياسي للخطر، لأنها تصنف تحت قائمة المحظورات والمحرمات الكبرى!!

لذلك يصعب التكهن بمستقبل «إلهان عمر» كنائب في مجلس النواب الأميركي الذي يشكل مع توأمة مجلس الشيوخ جناحي الكونغرس المعروف بتعاطفه وتأييده المطلق لكل سياسات إسرائيل، سواء فيما يتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة أو بدور إسرائيل الإقليمي وخاصة على خلفية مناوئة الولايات المتحدة وإسرائيل للدور الإيراني!

تظهر صورة «الهان عمر» وهي تعبّر عن أرائها بكل صراحة في أروقة الكونغرس وخارجه بينما تحتسي القهوة على الطريقة الأميركية، وترد مبتسمة واثقة على أسئلة الصحفيين الاستفزازية، كترجمة واقعية لوجه آخر حقيقي لأميركا، وهي الصورة التي ما تزال تجذب ملايين البشر حول العالم لتلك البلاد، على أمل تحقيق أحلامهم التائهة مثلما فعلت «الهان عمر»!

لكن الاقدار تشاء أيضاً أن يجلس في البيت الأبيض اليوم رئيس يكرس كل جهوده لوأد مثل تلك الأحلام في مهدها!