إذا قيل أن الإرهاب بات أحد أهم مصادر التهديد للأمن القومي العربي، فهذه حقيقة لا جدال فيها، وإذا ما وضعنا المجتمع العربي تحت المجهر سيظهر لنا العديد من التحديات التي تمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي، من أبرزها الإرهاب الذي يداهم العالم بهدف إطفاء شعاع الحياة الإنسانية.

رياح الفوضى الدموية التي اجتاحت مجموعة من الدول العربية، وتعرض سكانها إلى أبشع مجازر القتل والتشريد والتهجير والتصفيات الجسدية، ستبقى وصمة عار للفكر الإنساني في الألفية الثالثة، بتخطيط من الذئاب البشرية، وبتنفيذ شياطين الكهوف المهجورة، التي استُحدثت ووُظفت للتلذذ في سفك الدماء، وإزهاق الأرواح ونشر الرعب والهمجية؛ التي لم يشهد التاريخ لها مثيل.

الذئاب لا تصبح بسلوكها بشرا، بينما يمكن لبعض البشر أن ينسلخوا في بعض الأحيان أو كثيرها إلى ذئاب، وهنا تغدو الذئاب البشرية أشد فتكاً وشراسة من الذئاب الحقيقية، بغرائزها الطائشة، وإمعانها في القتل وسفك الدماء، وتماديها في التجرد من المدنية، وتنصلها من الأخلاق والإنسانية. على الرغم من أن انطلاقة هذا القرن أفرزت طفرة واسعة للإنسان في المجالات العلمية والتقنية والإعلامية وكذا الاتصال والتواصل، غير أنها في نفس الوقت أفقدته الأمن والأمان والأمل والاستقرار، واتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وأصبحت الفوضى قاعدة والاستقرار استثناء، على سطح كوكب بدأ فعلاً يفقد بوصلته.

وهذا القرن الجديد، عصر التكنولوجيا والاختراعات المذهلة، أعاد من جديد مشاهد الحروب والدمار، لكن بكيفية وصور مختلفة تماماً عن الحروب السابقة، وربما تجاوزت البعد الأخلاقي والحواجز الإنسانية، وخرجت عن قواعدها وأعرافها، فجعلت ما يجري من قتل وسفك دماء شأناً مستساغا، طالما أن جحيمها يستعر بعيدا عن الدول المؤججة لها، والتي تتقنع بالديمقراطية وتتستر خلف أكذوبة الحريات العامة.

وهم من ملأوا العالم فرقعة وضجيجاً بدفاعهم المزيف عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وشعاراته، ويزعمون حماية العالم وهم يسرقونه ويمزقونه، وعمليا هم الأشد خطورة عبر العصور في انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، وما تلك الفرقعات والضجيج الذي نشهده حول الديمقراطية وحقوق الإنسان سوى شعارات، تتوارى خلفها نزعة الهيمنة والسيطرة.

ربما يتحتم على البشرية الانتظار طويلاً، حتى تسترد عافيتها من تداعيات وآثار المحن والنكبات التي خلفتها الحروب، ابتداءً من الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين أزهقتا أرواح عشرات الملايين من البشر، مروراً بغزو لبنان وحرب الخليج وحرب أفغانستان وغزو العراق، والحروب على غزة، وصولاُ إلى الحروب بالوكالة ونكبات الربيع العربي، التي اجتاحت عدداً من الدول العربية، بأدوات محلية وتمويل خارجي.

لقد عُرف القرن السادس عشر بعصر النهضة، والقرن الثامن عشر شهد عصر التنوير، وإذا كان القرن العشرين قد وصف بعصر الحروب الاستعمارية، فان القرن الحادي والعشرين هو عصر الفوضى والحروب الدينية والطائفية، والأكثر دموية فيما عرف بمواجهة الإرهاب، ومعها تغير العالم، بانطلاق حرب على الإرهاب أفرزت معارك طاحنة ونكبات متعددة، لا يعلم أحد كيف ومتى تتوقف.

في الحقيقة إن الذي اعترى أمتنا وانتابها هو نتيجة هجرنا لعقيدتنا، وانصرافنا عن الإنسانية، فتجدنا نقتل بعضنا لأجل اللاشيء، فلا القاتل يدرك لماذا قتل ولا المقتول يعرف لماذا قُتل!... فهذا يصدح تحت شهوة القتل الله أكبر، وذاك يهتف تحت فزع الموت لا إله إلا الله!... فأي إله يا ترى المقصود، هل هو الإله الخالق الذي نعبده؟ أم إله آخر جرى الإعلان عنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟