بات واضحاً أن قرار الحكومة الأميركية بإسقاط كلمة «محتلة» بشأن مرتفعات الجولان هو امتداد للسياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب، التي تتبنى بالكامل مواقف حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليمينية، ولا يبدو أن ترمب يحفل بالتداعيات الخطيرة على الوضع بالمنطقة، إذ تستند سياسة ترمب في الشرق الأوسط خصوصا والعالم عموما إلى الحد الأدنى من الدبلوماسية، الممزوجة بالتهديد والابتزاز، فالخطوط الأساسية لعقيدة ترمب للأمن القومي كشفت عن نزعة عسكرية داروينية صريحة من خلال مقولة «أميركا أولا» ومبدأ «السلام بالقوة».

تكشف خطوة الاعتراف بإسرائيلية الجولان المحتل تصورات إدارة ترمب بالتعامل مع القصية الفلسطينية ورؤيته للسلام في الشرق الأوسط، فهذا التطور المثير جزء لا يتجزأ من الطريقة التي ستتعامل بها الولايات المتحدة مع القضية الفلسطينية فيما أطلقت عليه «صفقة القرن» التي لم يتم الإعلان عنها بعد، من خلال إزالة الحلول السياسية القائمة على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وفقا للقانون الدولي والقرارات الأممية، فترمب من أنصار الإثارة على حساب الاستقرار، وقد بشر منذ توليه الرئاسة بشرق أوسط مثير، حيث نشر في 3 يوليو ٢٠١٧ تغريدة على تويتر، قال فيها إن أشياء مثيرة للاهتمام تحصل الآن في الشرق الأوسط، دون أن يكشف عن طبيعة ما يحصل في المنطقة، وقال دونالد ترمب على حسابه: «تحدثت أمس، الأحد، مع الملك السعودي حول السلام في الشرق الأوسط»، مضيفا: «هناك أشياء مثيرة للاهتمام تحصل!»، ولم يكشف الرئيس الأميركي آنذاك طبيعة هذه الأشياء التي تحصل، وقد بدأت الإثارة تتكشف الآن بجلاء وأنها تتعلق بمسار السلام في الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي.

في هذا السياق كشف مسؤول في الإدارة الأميركية أن الرئيس دونالد ترمب قد يوقع على وثيقة رسمية بشأن الاعتراف بسيادة «إسرائيل» على الجولان خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن الأسبوع المقبل، وحسب وكالة «رويترز» فإن المسؤولين الأميركيين يعملون على إعداد وثيقة رسمية بشأن الاعتراف بسيادة «إسرائيل» على الجولان، وأن ترمب قد يوقع عليها الأسبوع المقبل، أثناء استقباله بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض يومي 25–26 مارس الجاري، لبحث المصالح المشتركة للبلدين والوضع في الشرق الأوسط.

لا جدال أن ترمب منحاز بالكامل لرؤية نتنياهو، وهو متماه مع الرؤية الإسرائيلية، رغم أن هذا القرار ينتهك بشكل صارخ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويمنح الحكومة الإسرائيلية مجالا مفتوحا لتوسيع مشروعها الاستيطاني، وكانت «إسرائيل» قد احتلت ثلثي هضبة الجولان خلال حرب 1967، ثم أعلنت ضم هذا الشطر عام 1981 في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي، وقرر «الكنيست» الإسرائيلي، في 14 ديسمبر 1981، عبر ما يسمى بـ «قانون الجولان»، «فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان»، ولم يعترف المجتمع الدولي بالقرار، ورفضه مجلس الأمن في القرار رقم 497، وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى منطقة الجولان باسم «الجولان السوري المحتل»، ولتعزيز قرار الضم الإسرائيلي عقدت حكومة الاحتلال الإسرائيلي في فبراير من العام الماضي، أول اجتماع رسمي لها في الجولان السوري منذ احتلاله عام 1967.

خطوة ترمب تجاه الجولان تقع على طريق «صفقة القرن»، وحسب رفائيل أهرين مع رئيس مندفع مثل ترمب، لا شيء مستحيل. غدا من الممكن حقا، كما هدد على تويتر، ان يعلن أن الولايات المتحدة سوف تتوقف عن تمويل السلطة الفلسطينية أو أن يطلب تنازلات مؤلمة من إسرائيل، أو أن يعلن انه يتخلى عن مشروع لعبة السلام تماما، ومع ذلك، تقدم تغريدات ترمب رؤى مثيرة حول نظرته للعلاقات الدولية وتطبيق سياسته الخارجية «أميركا أولا» في الشرق الأوسط. كل ذلك هو نظام المقايضة، وهو نظام من المعاملات الثنائية التي يهيمن فيها اللاعب الأقوى على الأضعف منه. لنسميها الداروينية الدبلوماسية.

تقوم «صفقة القرن» حسب المنظور الترمبي على بإدماج إسرائيل في المنطقة من خلال تأسيس تحالف أميركي عربي إسرائيلي تحت ذريعة مواجهة الخطر المشترك المتمثل بالمنظمات «الإرهابية» و"إيران، فأولويات إدارة ترمب في المنطقة هي الحد من نفوذ إيران باعتبارها راعية للإرهاب، ومواجهة المنظمات الإرهابية، فالملامح الأساسية لتطبيقات صفقة القرن تجري عبر مدخل الإرهاب، وقد بدت واضحة المعالم عقب إعلان الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس في ديسمبر 2017، تحقيقا لمبادئ وثيقة الأمن القومي التي نصت على جوهر الصفقة.

تقدم خطوة ترمب تجاه الجولان شرحا واضحا لا لبس فيه حول مفهومه لصفقة القرن ومشروعه للسلام في الشرق الأوسط، فهذا القرار يمهد أيضا للسماح بمصادرة مزيد من الأراضي الفلسطينية ونقل السكان والقضاء على أي فرصة لدولة فلسطينية، مما يمهد الطريق لضمّ إسرائيل الرسمي للأراضي الفلسطينية، فهذا القرار لا يؤدي لتقويض أسس القانون الدولي فيما يتعلق بالأراضي المحتلة فحسب، بل إنه يتبنى الرواية الصهيونية التي تصف هذه الأراضي بأنها «حق تاريخي وديني» لليهود، ويعزز الحرمان من الحقوق الفلسطينية والسورية،حسب محسن رمضان في مقاله بموقع «ميدل إيست آي» البريطاني، ويهدف إلى تمزيق الروابط التاريخية للسكان الأصليين بأرضهم ويعطي شرعية للاحتلال عبر السماح له بالقيام بما يشاء في هذه الأراضي دون مساءلة، ويعطي زمام المبادرة إلى الهيجان الاستيطاني، ويفرض وقائع جديدة على الأرض -في انتهاك لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2334 الذي يدين المستوطنات- ويمهد قرار واشنطن الطريق لضم محتمل لهذه الأراضي بالقول إنها تقع تحت سيطرة إسرائيل، وبهذا القرار تهدف الولايات المتحدة إلى تفعيل وإعمال رؤية نتنياهو للنزاع، أي إيجاد حلول إنسانية قائمة على السلام الاقتصادي للسكان، حيث يتم فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، ويتم تحويل المجتمعات الفلسطينية إلى جيوب متناثرة، الهدف منها هو القضاء على أسس الهوية الوطنية الفلسطينية.

خلاصة القول إن خطوة ترمب تجاه الجولان تقع في إطار مفهومه لصفقة القرن ومشروعه للسلام في الشرق الأوسط، وهي رؤية تلفيقية تدمج السياسي باللاهوتي والتي عبّر عنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بادعائه إن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد يكون هدية من الرب لإنقاذ اليهود من إيران»، لكن المؤكد أن حسب السيناتور الروسي فلاديمير جباروف، نائب رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، أن «الأميركيين لا يريدون السلام في هذه المنطقة، وهم بحاجة إلى الحرب ويهتمون بمبيعات أسلحتهم، وموقف ترمب سيؤدي إلى الإخلال بالتوازن الهش في العالم العربي، وستبدأ هناك استفزازات ضد إسرائيل، وقد تندلع اشتباكات»، وبعيدا عن استخدام المقولات اللاهوتية لأغراض سياسية، فإن إدارة ترمب تجسد نزعة عسكرية وسياسية داروينية صريحة من خلال مقولة «أميركا أولا» ومبدأ «السلام بالقوة».