لن تجد في التاريخ شعباً ظُلم و انتزعت حقوقه المشروعة، وتشتت وانتزعت أرضه تحت مرأى ومسمع العالم كما حصل مع الشعب الفلسطيني، ولم يشهد التاريخ تخاذلاً وتآمر الأخ على أخيه، منذ عهد سيدنا يوسف كما فعل العرب مع أخيهم الفلسطيني. ولن تجد أخاً وقف مع أخيه منذ عهد المهاجرين والأنصار كما فعل الأردني مع أخيه الفلسطيني. فلم يبق من أخوة الفلسطيني العرب من يدافع عن دياره في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، لسان حاله ما قاله الشاعر الجاهلي (طرفة بن العبد)، أحد شعراء المعلقات حين قال: «وظلمُ ذوي القربى أشدُ مضاضةً على المرءِ من وقع المُهند» وما قاله الشاعر الأموي (محمد الكندي) لأبناء عمومته الذين عادوه :«فإن أكلُوا لحمي وفرت لُحُومهُم وإن هدمُوا مجدي بنيت لهم مجداً وإن ضيعوا غيبي حفظتُ غُيوبهُم وإن هُم هووا غيي هويتُ لهم رشداً».

لقد كتبتُ هذه المقدمة وفي ذهني ما يبذله جلالة الملك من جهود لضمان عدم التفريط بالحقوق الفلسطينية استناداً لمعادلة (صفقة القرن)، بعدما قال العرب ما قاله اليهود لسيدنا موسى: «اذهب انت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون».

إن أهم مراحل الوصول إلى اتفاق دولي في النزاعات الدولية هي مرحلة المفاوضات، والأصل أن تمتلك الأطراف المتفاوضة وسائل وأوراق ضغط يستخدمها كل منهما في فرض مطالبه على الآخر. فنتائج المفاوضات مرهونة بما تملكه الأطراف من قدرات، فإما أن تكون الطرف الأقوى أو الطرف الأضعف أو أن يكون هناك توازن في القوى. وهذه الحالة يعبر عنها في علم المفاوضات الدولية بالنتيجة الصفرية للخاسر والكلية للرابح والمتعادلة في حالة التوازن.

وهنا أتساءل ما هي أوراق القوة التي يملكها جلالة الملك، فالعرب لم يعودوا معنيين كثيراً بالقضية، إلا من باب المجاملة، والفلسطينيون منقسمون فيما بينهم. بل إننا أصبحنا لا ندري من أين نتلقى الطعنات، فهناك من لديه أطماع بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهناك من يساهم في تصفية قضية اللاجئين وقطع الدعم المالي عن «الأونروا». فما هي إذن الأوراق التي يملكها جلالة الملك للوقوف أمام كل هذا التنازل والخذلان العربي؟!.

إن جلالة الملك يفاوض لأنه صاحب الحقوق الشرعية الدينية الهاشمية والقانونية للدفاع عن الضفة الغربية والقدس، التي كانت في يومٍ من الأيام جزءاً لا يتجزأ من المملكة الأردنية الهاشمية. إنه يفاوض باسم الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة العربية والإسلامية التي تعلم أنه أصبح يقف وحيداً في الدفاع عن العروبة والدين في فلسطين. وأنه يفاوض باسم أبناء شعبه من شتى الأصول وأجداده الأشراف من بني هاشم، اللذين يملكان الإرث الأكبر في الدفاع عن الأمة العربية والإسلامية، ويفاوض لأنه وشعبه يحظيان باحترام العالم على مواقفنا المشرفة تجاه كل قضايا الشعوب العادلة. فهل تعلم لماذا جلالة الملك يقف دائما شامخاً لأنه يملك الشرعية الدينية التي لا تُشترى ولا تباع بالنفاق والمال.