هجرة الاطباء الاختصاصيين من وزارة الصحة الى القطاع الخاص ليست ظاهرة جديدة فهي تتكرر منذ اكثر من ستين عاماً نتيجة لفرض نظامٍ عرفي حرمهم من العمل في القطاع الخاص خارج دوامهم الرسمي كما هو متاح في كل بلاد العالم (وإن بطرق مختلفة وضوابط سهلة المراقبة والتطبيق) ما كان يضطرهم للاستقالة كلما سنحت لهم اي فرصة عملٍ لتحسين دخلهم، ومع الوقت تناقص عددهم وأدى طبعاً كما هو معروف الى تدني الخدمات لا بل فقدها تماماً في بعض التخصصات التي تقدمها مستشفيات الوزارة وهي التي تحمل عبء معالجة الغالبية العظمى من المواطنين واكثرهم من ذوي الدخل المحدود والفقراء، وحينما كانت تتوالى استقالاتهم بأكثر من المعتاد تحتار وزارة الصحة كيف تفسّر الامر للمواطنين وتتجنب ذكر السبب الحقيقي ثم ترتجل لاستبقائهم حلولاً قصيرة الأجل كترضيتهم بزيادة العلاوات والحوافز أو تهديدهم بسحب رخص مزاولة المهنة منهم وقد لجأت مؤخراً لتشديد شروط العقود مع اطباء الاقامة المتدربين في برامج الاختصاص لديها، كما انها – أي الوزارة – كي تواجه استياء المواطنين من تدني الخدمات الصحية دأبت على وضع اللوم على اطبائها المستقيلين ووصمتهم بالجشع ولم تتورع احيانا عن تأليب الرأي العام عليهم باتهامهم بعدم الولاء للوطن ! ومع ذلك تثني عليهم بعد ان يصبحوا اطباء كباراً مشهورين في القطاع الخاص وتفاخر بهم وبمهاراتهم التي طبقت شهرتها آفاق المنطقة فاستقطبت للوطن ((السياحة العلاجية)) ! ثم لا تتوانى عن شراء خدماتهم حين تحتاجهم ولو بكلفة كبيرة وخلافاً لمبادئ نظامها الذي اعتبر الجمع في العمل بين القطاعين سلوكا غير اخلاقي !!

في الشهر الماضي انفجرت مشكلة هجرة الاطباء على النطاق الاعلامي مرة اخرى عندما ثارت ضجة حول عقود الاذعان بذريعة وقف تسرب الكفاءات فوصفها البعض بالابتزاز وظهرت وزارة الصحة لبعض آخر كأنها تتاجر بالتعليم الطبي كسلعة احتكارية ترفع اسعارها كما تشاء وتلك ملامح خصخصة مبطنةٍ مقلوبة يمكن ان تقضي على آمال الكثير من الاطباء الشباب الطامحين للتخصص إذا لم يكونوا اغنياء ! لذلك وقفت النقابة وعدد كبير من زملائهم الناشطين الى جانبهم، وعتب البعض عليّ لأني لم أكتب دفاعا عنهم واشرح اسباب المشكلة وعلاجها الواقعي علماً بان ملفاتي حافلة بعدد كبير من المقالات والمحاضرات والمقابلات الاذاعية والتلفزيونية حول هجرة الكفاءات من وزارة الصحة حتى كدت ايأس وأظن ان المسؤولين الذين اخاطبهم غير مسؤولين ! وقد أحلت العاتبين على مجلة ((المنبر النقابي)) حيث كتبت في عددها الاخير عن ((مشكلة نقص الاختصاصيين في وزارة الصحة)) كما تحدثت الى الصحفييْن دلال سلامة وشاكر جرار في موقع ((حبر)) فوضّحت أن الحل الجذري الدائم المثمر في نظري هو الغاء نظام منع اختصاصييها من العمل في القطاع الخاص في وقتهم الخاص بعد ان ثبت فشله الذريع وأدى الى هبوط مستوى خدماتها لدرجة مؤسفة جعلتها مع مرور الزمن في ذيل مؤسسات القطاع الطبي العام بعد ان كانت في مقدمتها ! واستبداله بنظام مرن يضمن أولاً الاحتفاظ بالكفاءات الطبية طوعاً واختياراً حتى سن التقاعد لمعالجة المواطنين وثانياً مواصلة تعليم وتدريب الاجيال الجديدة من الاطباء الجدد، وثالثا يحقق امراً هاماً آخر خافياً عن الناس هو البحوث الصحية العلمية التي غابت عن وزارة الصحة تماماً وللجيل الثالث على التوالي ! وانا على يقين بان وزارة الصحة لو تبنت هذا النظام المقترح فسوف تعود كما كانت تاريخياً جاذبة للكفاءات بدل ان تكون طاردة لها كما هي الآن، وسيكون العمل فيها مطلباً عزيزاً لأطبائنا فهي مصنع التجارب والخبرات، وستكون خدمة جموع المواطنين فيها متعة لا تضاهيها متعة.

وبعد.. فكلامي هذه المرة ولعلها الاخيرة موجّهٌ لرئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز الذي عرفتُ عن كثب تفهمه الواعي لقضية ذات علاقة تشاركْنا في بحثها ذات يوم غير بعيد، وأثق الآن ايضاً بحسن تفهمه للمشكلة المطروحة وبقدرته على حلها.. من اجل عيون الوطن وصحة المواطنين.