.... يقولون لي أحيانا، أنت تنحاز لمعروف البخيت كثيرا في كتاباتك...أعرف أن البعض قد لا يعجبه المقال ولكني فعلا أنحاز لمعروف، على الأقل هو يشبهني.. كان في طفولته يحمل اسطوانة الغاز، ويقوم بتركيبها...هو مثلي، عاصر بابور الكاز، وقام (بنكش) العين.. حتى يتدفق الكاز..هو مثلي تماما، كان يصعد إلى سطح منزله في أول الشباب والصخب.. ويحمل ورقة وقلما، ويحاول أن ينسج قصيدة نبطية، لحب لم يولد بعد ولفتاة لم تعبر من الشارع بعد.

هو يشبهني تماما... كان يفهم الشعر ويتذوقه، وربما كانت لديه (كاسيتات) لعوض الدوخي، ومحمد عبده...وكان يرتدي القميص الأحمر، ظنا منه أنه سيغوي البنات، وكانت سمرته... تضيف له بعضا من الهيبة حين يجتمع الأعمام، والأخوال... وكان يصحو مع خيط الفجر الأول، وحين يشاهد وجه الأم وهي تعد الشاي.. وتسكب بعضا من زيت ماحص وعيرا.. كان يدرك أن الوفاء لها مثل الوفاء للبلد وأهلها، ولم يكن لديه فارق بين حصانة هذا التراب وقداسته والقسم فيه.. وبين طهارة وحصانة شيب الوالدة...

طبعا أنحاز لمعروف، لأنه يشبهني أيضا..فقد تعلمنا من أهلنا أن نسامح، وتعلمنا أن الكرامة أهم من الخبز...وتعلمنا أيضا أن العشيرة، مثل وريدك.. هي ممزوجة بدمك، وعليك أن تتشرب قيمها وتاريخها، وعليك أن تكون في نظر بنات العشيرة الفارس الذي يغار على الجديلة والأرض والبندقية.

قلت هو مثلي تماما، المحاولات الأولى في الشعر النبطي باءت بالفشل، والحب لم يجف في العيون بل كان مثل الدمع...وهدير (كونتنتال) الجيش كان يعرفه جيدا،فقد شبت الأذن عليه....والمساء الذي غافله على عجل، ربما سيحمل زوارا للبيت..وعليك أن تقف خلف الوالد وتسلم، واياك أن تنسى القهوة الصهباء، وتذكر أن تمسك الفنجان باليد اليمنى وأن تحني الكتف لضيفك قليلا.. وتنتظر حتى يهز فنجانه..وإن انسكب بعضها.. فلا تغضب حتى الأرض لها نصيب من كرم العشيرة وطيبتها.

قلت معروف مثلي... قولوا ما شئتم عنه، ولكني أنحاز له... وبصراحة أنا أنحاز لدمي، لأن الشعوب تحب من يشبهها.. وحين يكون في سدة المسؤولية رجل من طينها... ومن تعبها ومن قيمها، ومن تراثها وتاريخها..فصدقوني أنه حتى لو أخطأ في حقها ستسامحه...

معروف يشبهني، وأنا أحب كل من يشبهني وأخلص له...وأزمتنا ليست مع من يشبهنا، أزمتنا فيمن تنكر لوجهي ودمي وترابي وقمحي... وتاريخي وعشيرتي... أزمتنا فيمن يريد شطبنا، وهو يدرك أننا لا نشطب...

Abdelhadi18@yahoo.com