تغيرت أساليبب الردع في السياسة الدولية بشكل كبير منذ انتهاء الحرب الباردة. فعلى الرغم من أن العديد من المكونات الأساسية لهذا الردع لا تزال موجودة ولا يزال لها تأثير كبير وخصوصاً أن الصراعات الرئيسة ما زالت قائمة بلا حل، إلا أنَ الردع الآن بات أقل أهمية في سياسات الأمن القومي وإدارة الأمن الدولي. ويعزى ذلك في المقام الأول إلى التغيرات الهائلة في السياسة الدولية التي أنهت الحرب الباردة، وأوجدت حلولاً سياسية للمعضلات الشائكة التي تتصارع فيها القوى العظمى. وهذا ما يؤثر اليوم على الشرق الأوسط من فتور في العديد من ملفاته ومنها القضية الفلسطينية مع سخونة ملفات أخرى إقليمية.

ساعدت استراتيجيات الردع وعبر عقود من نهاية الحرب الباردة عبر سياسة العقوبات والحظر في نشر السلام بين الدول الكبرى. إلا أن المتتبع للاستراتيجية العسكرية الأميركية والروسية والصينية يرى أن كل منها تسعى لتجنب الاحتكاك بالآخر لأن الاحتكاك يولد الانفجار. فالفكر الاستراتيجي الأميركي كان يعتمد طوال عقود على ثلاثة عناصر مهمة: استخدام النيران الكثيفة والقوية لتعويض النقض البشري في حال المواجهة مع الاتحاد السوفييتي والصين.

أما العنصر الثاني في العقيدة العسكرية فهو الردع عن طريق سلسلة من العقوبات والضغوطات السياسية والاقتصادية لتحييد العدو أو بسلسلة إجراءات عسكرية منها حصار الموانئ وفرض حظر طيران وما إلى ذلك لاحتوائه. أما العنصر الثالث فهو الضربات الاستباقية والانتقائية للأهداف والدول. وهذا ما نرى الدول الكبرى تمارسه اليوم بصمت في الفناء الخلفي لمنافساتها بدءاً من فنزويلا إلى أفغانستان وإيران وكوريا الشمالية والجمهوريات القريبة من حدود روسيا والصين.

في السنوات الأخيرة ظهرت مفاهيم الردع المحوري، وردع الهجمات الإلكترونية والإرهاب والجريمة الدولية. إن أكثر ما نحتاج إليه هو تحليل كيفية تطوير وتطبيق استراتيجية وممارسات الردع بطرق جديدة كمساهمة مركزية في صيانة وإدارة أمن النظام العالمي والإقليمي. فقد تم ذلك إبان فترة الحرب الباردة ولكن بطرق أصبحت اليوم بالية إلى حد كبير. لكن ما هو سائد حالياً هو أنماط من السلوك الدولي التي ما زالت تتمسك بحقبة الحرب الباردة. ويشمل ذلك جهوداً استخباراتية تنافسية للدول الكبرى، وزيادة القدرات الأساسية للأسلحة النووية لدى القوى العظمى مع استمرار ظهور أسلحة جديدة وتحسين الأسلحة الحالية؛ والحفاظ على القوى النووية والأخذ بالاعتبار نفس قوى الخصوم السابقين والحاليين؛ والتحالف السياسي العالمي الرئيسي المتبقي بين موسكو وبيجينغ ضد الغرب في العديد من القضايا والملفات. كل ذلك يُبقي التحالفات الأميركية أضعف حتى وإن كانت لها قواعد عسكرية منتشرة في كل مكان.

هذه الخصائص الحالية في النظام الدولي تثبت كل يوم أنها غير مناسبة للأمن العالمي لأن التهديدات الرئيسة الآن للأمن والسلم العالمييْن هي الدول الضعيفة، أو الدول المارقة أو تلك التي تعمل بطرق ضد الشرعية الدولية. وهذا يعني أن التعامل مع تلك الدول لا بد من أن يتغير أيضاً وبالتالي فإن الردع العسكري سيكون قد عفا عليه الزمن ولم يعد ملائماً للتحديات الأمنية المعاصرة. منذ عام 1990، عانى العالم من فشل مؤسسي وسياسي وفكري أسقط دولاً في براثن الإرهاب والغوغائية ولعبة التجاذبات السياسية والأيديولوجية.

ومع ذلك، فقد تغيرت السياسة الدولية وعلينا أن نسأل كيف يؤثر هذا على الردع. لا بد من الإشارة أولاً إلى أن هناك عدم كفاية في معرفة مفاهيم وعناصر الردع الخاصة والتي سادت إبان حقبة الحرب الباردة والتي ما زالت تصلح للاستخدام اليوم ومنها الاستخدام الكافي لمبدأ الحد من التسلح، والترابط في السياسة الدولية والردع الجماعي والأمن السيبراني. فالردع هو ملاذ دائم مهم في السياسة الدولية. ومع ذلك، يجب تعديل تطبيقه في الأنظمة الدولية والإقليمية الدولية، وليس فقط من خلال ردود الأفراد على التهديدات الأمنية المحددة. هذه مهمة صعبة للغاية، حيث أن هذه الأنظمة تتطور وسط هزات ارتدادية مستمرة بدأت مع نهاية الحرب الباردة.

إن الغياب المستمر للحروب العلنية بين القوى العظمى يشير بقوة إلى أنها كانت تعمل على مبدأ الحرب الارتدادية والردع، على الرغم من أن الردع لمنع نشوب صراعات أقل أو استفزازات كان أقل نجاعة مما رسمت له الدول الكبرى.وكان من الأهمية بمكان ظهور ترتيبات الردع الموسعة من خلال التحالفات الرسمية وغير الرسمية، والعلاقات بين الدول التي تربطها مصالح مشتركة. فكانت التحالفات والتكتلات ومنها وارسو والناتو. كل هذا شكَل جوهر إدارة الأمن الدولي والوطني لعقود. لقد كانت تطبيقات الردع الاستراتيجية (فيما يتعلق بالتهديدات الكبرى، وخاصة النووية) وغير الاستراتيجية (فيما يتعلق بالتهديدات الأقل) عنصراً مُهماً في نسيج السياسة الدولية.

خلال الحرب الباردة كان التركيز على منع الهجمات العسكرية الكبرى. أما التجسس أو التخريب أو تهديدات الجماعات الإرهابية لم يتم التعامل معها تحت عنوان الردع. فكان التهديد العسكري الرئيسي–الهجمات الصريحة من قبل الحكومات الشيوعية هو التهديد الحقيقي للغرب وكذلك الحال بالنسبة للكتل الشيوعية فكان التهديد الغربي هو الخطر الرئيس.

يبدو أن الدول ستتجه في المرحلة القادمة إلى الانتقائية والاستباقية في التعامل مع أعدائها للحصول على تنازلات ومكاسب لا يمكنها أن تحصل عليها لو جيشت الجيوش وكدست العتاد الحربي لذلك لما لتلك المعارك من حساسية مفرطة تكون تداعياتها في حال خروجها عن السيطرة حرباً عالمية ثالثة تعيد رسم الخرائط الدولية لا وفق ما تريده الدول الكبرى بل وفق ما تريده الشعوب.