بداية هذا الشهر شاركت وبدعوة كريمة من الصديق المهندس مازن ريال بإحتفالية المؤتمر السنوي لحزب حصاد، وبحضور العشرات من الأمناء العامين للأحزاب الأردنيةـ، وكان على مائدة البحث، تلك المسألة المزمنة المتعلقة بكيفية تنشيط الحياة الحزبية، وحفز المواطنين للانخراط بالأحزاب واستكمال البناء المؤسسي الديمقراطي في بلادنا، والذي تُجمع النخب الفكرية والسياسية والقانونية، بأن الإصلاح السياسي لا يتم ولا يكتمل الا بوجود احزاب مؤثرة، برنامجية ووفق قانون للانتخاب يُمكنها من الدخول الى البرلمان، كخطوة اولى نحو ترجمة برامجها على ارض الواقع، من خلال وصول الأحزاب الى مقاعد السلطة التنفيذية...

والحقيقة التي يجب ان تقال ان المعوق الرئيس الماثل أمامنا الان وبقوة، ويشكل الحاجز الذي لم تستطع التجربة الاردنية من تجاوزه، متمثل بتشتت الحياة الحزبية وتعدد منابرها، بل وبعثرة الفكرة الواحدة/ والمرجعية السياسية الواحدة، على عدد كبير من الاحزاب. وهو عائق يحول دون ان نستكمل بناءنا الديمقراطي المؤسسي، والإنتقال به من خانة «التجربة» الديمقراطية كما نسميها منذ عام 89، الى خانة البناء المكتمل القادر على النهوض بالوطن، والوصول الى حكومات ذات برامج اقتصادية/ اجتماعية/ سياسية مستندة الى اغلبية برلمانية، وبالمقابل وجود معارضة تحت القبة، تمارس دور حكومة الظل، وعين رقابية موضوعية، بعيدة عن الشخصنة، وعن العلاقه غير الصحية المتذبذبة حالياً بين النائب والحكومة، والمرتبطة الآن بمدى استجابة الحكومة لهذا النائب او تلك الكتلة، لقضايا بالتأكيد هي بأغلبها تصنف «تحت وطنيةً» أي شخصية أو منافعية أو مناطقية بأحسن الحالات.

عقدة المنشار

أن عقدة المنشار التي لا بد من تجاوزها، متمثلة بالكيفية التي تصل بالبلاد كما يقول «جلالة الملك » الى عدد من الاحزاب لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة، كأن نقول حزبا يساريا وآخر وسطيا وحزبين او ثلاثة بخلفيات ومرجعيات فكرية، موجودة في ساحة العمل العام الاردني.

وهذا لن يتم الا بمبادرة ذاتية جدية وكبيرة، تقوم بها الاطارات الحزبية في البلاد، كأن تبادر احزاب الوسط، والتي وإن إطلعنا على برامجها، بقراءة موضوعية، فأنها بالتأكيد برامج متماثلة الى حد بعيد، ولا تبرر بالقطع الفوارق فيما بينها، لأن تكون على حالة التبعثر الماثلة أمامنا.

ولكن وللانصاف فإن حزمة الأحزاب الوسطية، تسعى عبر تحركاتها التي بدأت مؤخرا، إلى جمع صفوفها ضمن تيارات تنسيقية، ربما تكون خطوة متقدمة نحو الانصهار الكلي. دون أن يمنع ذلك وجود أجنحة داخل كل تيار حزبي تتنافس ديمقراطياً، بحيث تْمثل الاقلية الى رأي الاكثرية دون حنق ولا انشقاقات. وهذا ما يحصل في الاحزاب الأوروبية العريقة، والتي تخوض انتخابات حرة داخلية تشارك بها هيئاتها العامة حيث تتنافس أجنحتها، فتفرز المستويات القيادية على اختلافها، بما فيها زعيم الحزب والاشخاص الذي سيتم ترشيحهم للمقاعد البرلمانية أوالحكم المحلي.

وأن تيار التجديد الذي كنا في رحاب أحد مكوناته «حزب حصاد»، واحد من الأمثلة على فكرة اللقاء والتنسيق والاندماج «لاحقا» بين الأحزاب الوسطية، إنما هي حالة من الحس العالي بالمسؤولية ورغبة صادقة بانهاء حالة التشرذم القائمة، والتقدم الى الامام بصيغ حزبية جادة تتمكن من دخول البرلمان والتأثير ايجابياً بمسيرة الاصلاح السياسي التي طال انتظارها، والتي لا ينفك الملك يتحدث عنها وكذلك نخبنا السياسية على اختلاف مشاربها.

وإن حالة الاحزاب الوطنية الوسطية انما تنطبق بصورة اوضح واكثر جّلاء، على الاحزاب الاردنية المرخصة ذات المرجعية القومية، واليسارية وأيضاً تلك التي تستند الى مرجعية سياسية اسلامية «اسلاموية».

وحتى لا نبقى في دائرة التمني والرغبات، فسوف احاول البحث في جذور الخلافات بين تلك الحزم التي تحول دون اندماجها، كل وفق مرجعيته الفكرية، عسى أن يحفز ذلك القائمين على تلك الأحزاب، فيبادروا الى توجه من شأنه إعادة الوحدة الى ممثلي المرجعيات المتماثلة.

أحزاب المرجعية القومية

وهنا نبدأ في حزمة الاحزاب ذات المرجعية القومية، التي ليس بينها كما أرى ومن خلال تتبع مسيرتها عملياً، اية خلافات فكرية أو حتى سياسية راهنة، سواء من حيث الطرح الفكري او الموقف من الاحداث التي تمر بها منطقتنا العربية اليوم. فجميع أحزاب التيار القومي تدعو الى الوحدة او اللقاء او التنسيق العربي، وتدعو الى احياء وتنشيط السوق العربية المشتركة، وتدين الغزو الخارجي لاقطارنا العربية، وجميعها كذلك تحمل نفس الموقف القوي الرافض للارهاب وتنظيماته على اختلافها، وتستند بنفس الوقت الى خطاب فكري قوامه أن العرب أمة مكتملة السمات، وان المشكلة أن أمة العرب لم تستطع ان تحقق كينونتها السيادية السياسية على امتداد الجغرافيا العربية، اي اقامة دولة الأمة مثلما فعلت بقية الامم التي تمكنت من أستكمال تشكيل معادلتها التاريخية، بين مفهوم الامة كوعاء معنوي ومفهوم الدولة كوعاء مادي. وأنها جميعاً كذلك تعمل تحت مظلة الدستور الأردني وفق رؤية سليمة للعمل السياسي.

وحين نناقش المنتمين لاي من هذه الاحزاب ذات المرجعية القومية في الاردن، فأننا لا نشهد اي فوارق في الطرح رغم تعدد هياكلها الحزبية، فالمضمون واحد مع تباين الشكل والعنوان!.

وحين نبحث في اسباب عدم اللقاء في ما بينها وعدم قدرتها على توحيد صفوفها، نجد ان خلافات سياسية وليست «فكرية» هي الجدار المانع بينها وبين الالتقاء، وان تلك الخلافات مرتبطة بمحطات تاريخية حدثت منذ عقود، وجميعها حدثت خارج الاردن!. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فأن الناصريين اختلفوا مع البعث إبان الوحدة المصرية السورية وما بعدها. وذلك قبل اكثر من نصف قرن من الزمن! حيث يُحمل كل طرف الطرف الأخر عدم نجاح الوحدة وانفكاكها. وكذلك فإن البعثيين قد تمزقت صفوفهم بعد حركة 23/شباط/66 وحركة 16/تشرين/70 في سوريا، فنتج عن ذلك مجاميع سياسية، عُرفت فيما بعد بمن هو امتداد للحزب في العراق ومن هو امتداد للحزب في سوريا، أضافة الى مجاميع ليست مع هذا ولا ذاك. اي أن خلافاتهم تكمن في تقييمهم لمحطات تاريخية سياسية تمت خارج الاردن، مضى عليها اكثر من نصف قرن! وهي الأن بلا أي أثر على سير الأحداث وهي فقط في كتب التاريخ وليس إلا مادة للباحثين، يقْيمون أداء كل طرف، من اصاب ومن أخطأ.

أي بمعنى ان خلافاتهم اليوم ليست موضوعية ولا معاصرة ولا مُلحة ولا تصنف كخلافات فكرية. وحين اقرأ اليوم في أدبياتهم أو أسمع من منتسبي هذه الاحزاب، فالإستنتاج الطبيعي أنهم يتفقون على إدانة غزو العراق، ويقفون جميعا الى جانب الحكومة السورية في وجه قوى الظلام والارهاب والتشدد التي تعصف بسوريا منذ نحو ثمان سنوات. وبالتالي فإن تلك الخلافات لا يجب من الناحية الموضوعية ولا من حيث الحاجة والدافع الوطني، ان تبقى ماثلة، ومقررة لعلاقات ابناء الفكرة الواحدة، وبالتالي فأنه ولم يعد من مسوغً لحالة الانقسام في صفوف من يؤمنون بالفكرة العربية الواحدة.

أحزاب المرجعية اليسارية

واعتقد ان الامر ذاته ينسحب على رواد الفكرة اليسارية واحزابها، فالخلاف على سبيل المثال بين حزبي حشد والوحدة الشعبية، إنما مرده الى الانقسام التنظيمي، الذي شهدته الجبهة الشعبية بقياده المرحوم الدكتور جورج حبش، والذي أدى الى قيام الجبهة الديمقراطية بقيادة السيد نايف حواتمة.

إن أدبيات حشد والوحدة الشعبية اليوم، تكاد تكون متوافقة على اكثر من 90%، سواء بالطروحات الفكرية او المواقف تجاه القضايا الوطنية الاردنية والفلسطينية والعربية. وقد آن الأوان لوحدة فيما بينهما نظراً لتطابق الرؤية الايدولوجية والمواقف، وهي جديرة بأن تتغلب على أي خلاف سياسي ناجم عن مرحلة هي في سجلات الماضي، والتي لم يعد لها عملياً اي اثر على حياتنا العامة أنها ضرورة ان تتجاوز التاريخ لصنع المعاصرة والمستقبل.

ينطبق ذلك على الاحزاب التي خرجت من عباءة الحزب الشيوعي/ الاردني، فجميعها اليوم عملياً تتظلل بنفس الايدولوجيا، وقد زالت خلافاتها خصوصا بعد إخفاق تجربة الاتحاد السوفييتي والمفهوم الشمولي للحكم. إن الحركة الشيوعية على الصعيد العالمي والاقليمي، تتبنى اليوم مفهوم الديمقراطية البرلمانية، كل حسب قوانين البلد التي يوجد به. وبالتالي فأنه لم يبق اي مسوغ موضوعي يبرر البعثرة الحزبية في صفوف اليسار الاردني، خصوصاً وان رموز الحركة الشيوعية الأردنية التي تصدرت المشهد حين كان منقسماً على نفسه، اما هم في ذمة الله، أو في وضع لم يعد يؤهلهم للعمل العام.

أحزاب المرجعية الاسلامية

وأن المقاربة التاريخية الفكرية السياسية الأنفة الذكر، إنما تنطبق على احزاب الاسلام السياسي، والتي لا ارى انها مختلفة الى درجة تبرر حالة الإنقسام السائدة في صفوفها، خصوصاً بعد أن تبرأت جميعها من الفكر المتشدد وليس لها أية علاقة كما يظهر في أدبياتها مع منظماته الإرهابية، بل وتدين بصورة جلية، أفعال تلك المنظمات في العراق وليبيا ومصر واليمن وغيرها من الاقطار الذي أُبتُليت بآفة الإرهاب وتنظيماته، وهذا ينطبق على حزب جبهة العمل الإسلامي والوسط الاسلامي وزمزم وغيرها.

الخروج من المأزق «ذاتيا»

وكما ذكرت سابقاً فإن لملمة وتكثيف وتوحيد الحياة الحزبية الأردنية، يتم عبر مبادرة ذاتيه لتلك الحزم الحزبية، كل حسب مرجعيته الفكرية. بأن تسعى الى استبعاد الخلافات التاريخية ووضعها على الرف، والبدء بمحاكاة الواقع واللحظة الراهنة ومتطلباتها، ومواءمتها مع المرجعية الفكرية التي تؤمن بها كل من تلك الحزم الحزبية سواء كانت وسطية او يسارية او قومية او اسلاموية، وان تسعى كل منها الى بناء حزب واحد دستوري/ ديمقراطي/ برلماني/ برامجي، بحيث يصبح لدينا في نهاية المطاف مجموعة من الاحزاب التي لا تزيد على خمسة. احزاب ذات أثر، في حياتنا العامة.

علماً بأن مبدأ اللقاء بحد ذاته، سوف يحفز الكثير من نخبنا ومثقفينا ومفكرينا وسياسيينا ان ينخرطوا في العمل السياسي الحزبي المنظم، مما يشكل اثراء أضافياً، كم هي بحاجة له حياتنا السياسية؟. ذلك أن قوى كثيرة معطلة ومحيدة الآن، لانها لا ترى جدوى من الدخول في معمعة الانقسام والتهافت، بلا طائل ولا نتيجة.

الخروج من المأزق «بالقانون»

وعليه فإن لم يتم ذلك بمبادره ذاتية من قبل المعنيين داخل احزابنا الاردنية، فإن الحل الاخير والقناة الباقية انما هي عبر القانون، ففي أحيان كثيرة تُجر الناس الى الجنة بالسلاسل ليتم ذلك بتعديل على قانون الاحزاب، لا يُسمح بموجبه إلا لتيارات لا يزيد عددها على عدد اصابع اليد الواحدة. تيارات سياسية ينضوي تحت رايتها المواطنون كل وفق معتقده ومبادئه. والحقيقة ان هذه الفكرة كانت طُرحت إبان مناقشات الميثاق الوطني، لكنها مع الأسف لم تأخذ بالأهمية التي تستحقها، حيث لو تم الاخذ بها، لكان الاردن وبناؤه السياسي، قد حرق مرحلة، راوحنا بها ما يزيد على الثلاثين عاماً، وكان حصادنا، هذا الوضع الراهن المهيمن على حياتنا السياسية والذي لا يستجيب لمتطلبات الإصلاح السياسي المأمول والمنتظر.

وبعد/ في مقالي اللاحق سوف اقوم بطرح فكرة قانون للإنتخاب يدفع بالاحزاب نحو البرلمان، شرطه المسبق ان تنجز إرادة الملك والرغبة الشعبية، في وقف التشتت في حياتنا الحزبية. وسوف اطرح تصوراً لقانون يحاول ازالة الهواجس لدى البعض، من الخوف ان يتفرد تيار واحد على الاغلبية البرلمانية، لتبدو النتيجة وكأنما تُولد ديكتاتورية من رحم ديمقراطيتنا الوليدة، وهو الذي لا نريده...

لله والوطن من وراء القصد